> عدن "الأيام" خاص:

يمثل كتاب"مذكرات" للأستاذ المناضل عمر أحمد جبران عبدالملك، شهادة حية من قلب الأحداث، وإرثاً ملهمًا للأجيال القادمة يبين كيف يمكن للمبدأ أن ينتصر، وكيف للمواقف الوطنية الشجاعة أن تخلد أصحابها في أنصع صفحات التاريخ. وجاءت هذه المذكرات لتؤكد حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل؛ وهي أن هذا المناضل يُعد رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه أو القفز على تاريخه عند الحديث عن أسفار ونضالات ثورة 14 أكتوبر المجيدة، إذ لا يمكن للمؤرخين تصفح سجلات الكفاح المسلح وبناء الدولة خاصة في حضرموت ودولة الكويت دون أن يتصدر اسم "عمر جبران" المشهد كشاهد وصانع للكثير من التحولات الإيجابية.

يقدم جبران في مذكراته قراءة عميقة تعبر عن موقفه الصلب في رفض التطرف بمختلف أشكاله السياسية والاقتصادية غير السوية. ويسلط الضوء على ارتباطه بالحركة الوطنية؛ إذ تشكّل وعي جبران السياسي مبكرًا في مسقط رأسه بالشحر، ثم نضج فكريًا في أواخر الخمسينات ومطلع الستينيات من القرن المنصرم مع انحيازه لـ "حركة القوميين العرب".

وخلال فترة اغترابه في الكويت (1965-1969م)، تبلور دوره القيادي بتوليه قيادة تنظيم "الجبهة القومية" هناك، مساهماً في حشد الدعم المالي والسياسي لثورة أكتوبر ضد الاحتلال البريطاني، وتنسيق الجهود مع الحركة التقدمية العربية. هذا الرصيد النضالي عزز انتمائه للجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، ورسخ عقيدته التي آمنت بضرورة بناء "الدولة الوطنية" في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على أسس واقعية، بعيدًا عن الشطحات الأيديولوجية والمغامرات غير المحسوبة. ولم يكن هذا الاعتدال عابرًا، بل كان موقفًا ناصحًا ومسؤولًا تجاه قضايا بناء الدولة وتطورها، وهو الموقف الذي دفع لأجله المناضل جبران ضريبة قاسية وثمنًا باهظًا من حريته واستقراره.

يكشف محمد عمر باموسى، كاتب مقدمة الكتاب، كيف تمكن جبران بفضل واقعيته ومرونته السياسية من نسج علاقات طيبة ووثيقة مع مختلف المناضلين في شتى التنظيمات السياسية على تنوع مشاربها. هذه الواقعية لم تمنحه مكانة خاصة بين النخب السياسية فحسب، بل رفعت من رصيده المجتمعي والجماهيري بشكل ملحوظ، سواءً داخل حدود الوطن، أو في بلدان الاغتراب التي عاش فيها وظل يحمل همّ وطنه بين ضلوعه.

يتحدث جبران في تفاصيل مذكراته عن عودته من الكويت إلى أرض الوطن في مطلع عام 1969م تلبية لطلب قيادة الجبهة القومية لرفد الإدارة المحلية بخبراته؛ حيث عاصر في تلك الفترة حقبة الرئيس قحطان الشعبي المعتدلة، متأثرًا بتبعات الصراع الأيديولوجي بين تياري اليمين واليسار الذي فجّره "المؤتمر الرابع" عام 1968م وما تلاه من تغلغل للأفكار الراديكالية وقرارات التأميم. وفي يونيو 1969م، عُيّن مأموراً للمديرية الشرقية (الشحر)، مجسداً نموذج الإدارة الوطنية الحذرة؛ إذ نجح في حل أزمات خدمية وتفكيك التعصب القبلي من خلال عقد مؤتمر صلح تاريخي عام 1970م، كما أظهر شجاعة سياسية بإفشال محاولة عسكرية لاعتقال القيادي الغرابي لحماية استقرار منطقته.

ويشير في سياق مذكراته إلى أن خطوة "الحركة التصحيحية" في 22 يونيو 1969م أدت إلى إقصاء الرئيس الشعبي وتكريس النهج اليساري، مما جعله يصطدم بالتوجهات المتطرفة. فرغم تعيينه رئيسًا لـ "محكمة الشعب" بحضرموت، إلا أنه رفضها وعطّل عملها لعشرة أشهر لإنقاذ خمسة من قادة الجبهة القومية المعتقلين، قبل أن تُدشن تحت التهديد الرئاسي وتبدأ بإصدار أحكام الإعدام. ونظرًا لمواقفه الرافضة للإقصاء والتهجير القسري لعوائل المعارضين، زهد جبران بالسلطة ورفض عرضًا رئاسيًا لتولي منصب محافظ حضرموت عام 1971م، مقدمًا استقالته لاحقًا من مأمورية المديرية الوسطى إثر خلاف جوهري مع الرئيس "سالمين" حول حصر الملكيات والانتفاضات الفلاحية. إن مواقفه المستقلة جعلته هدفًا للتصفيات السياسية؛ فاعتُقل في ديسمبر 1971م وأُودع سجن المنورة، ثم نُقل إلى سجن المنصورة بعدن لحمايته من موجة الاغتيالات بحضرموت، ليمضي خمس سنوات خلف القضبان حوّلها بعزيمته إلى منبر لمحو أمية السجناء وتثقيفهم.

تناول جبران أيضًا مرحلة ما بعد الإفراج عنه عام 1976م، حيث نأى بنفسه عن صراعات المحاور رافضًا تولي سكرتارية الحزب بلحج، ودخل عقدًا من الهدوء الإداري بوزارة الصناعة. وفي عام 1986م، عُيّن مديرًا عامًا لشؤون المغتربين، ليقود معركة سياسية وتشريعية شجاعة ضد الأجهزة الأمنية ووزارة أمن الدولة، تكللت بانتزاع قرار جمهوري من الرئيس حيدر العطاس بإلغاء "ضمانة السفر" التعسفية.

يوضح الكتاب في ختامه كيفية تتويج مسيرته السياسية بعد قيام الجمهورية اليمنية، من خلال خوض انتخابات 1993م البرلمانية مرشحًا عن الحزب الاشتراكي بالدائرة (151) بالشحر، لينتزع فوزًا ساحقًا بأغلبية الأصوات، مؤكدًا التزامه الوطني بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع كقائد جماهيري حقيقي يعكس نبض وطنه.