الثلاثاء, 28 يوليو 2026
153
لطالما كانت سلطنة عُمان في الوجدان الجنوبي أكثر من مجرد دولة مجاورة؛ إنها جارٌ عزيز، نبادله الاحترام والتقدير، وننظر إلى شعبه وقيادته بعين الودّ الصادق. هذا الشعور لم يكن طارئًا أو مرحليًا، بل هو امتداد لعلاقة تاريخية وجغرافية وثقافية تفرض نفسها على حاضر المنطقة ومستقبلها. ومن هذا المنطلق، ظلّ الجنوب العربي ينظر إلى عُمان باعتبارها شريكًا طبيعيًا في الاستقرار، وعنصر توازن مهم في معادلات الإقليم، ومصدر حكمة في إدارة الأزمات.
غير أن السياسة، كما هي عادتها، تحتفظ بذاكرة طويلة، وقد تختزن بعض الصور الذهنية التي تتشكل في ظروف تاريخية معينة، ثم تستمر رغم تغيّر الزمن. ومن حق سلطنة عُمان أن تستحضر في ذاكرتها مرحلة الحرب الباردة، حين كان الجنوب في زمنٍ مضى جزءًا من صراعات أيديولوجية كبرى، وكان له دور في دعم حركات وتوجهات داخل الإقليم، من بينها ما ارتبط بثورة ظفار. تلك المرحلة تركت بلا شك أثرًا في الوعي العُماني، وشكّلت صورة ذهنية عن “جنوب مشاكس”، يتجاوز حدوده الجغرافية إلى أدوار إقليمية صاخبة.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن تلك الصورة لم تعد تعبّر عن واقع الجنوب اليوم. لقد تغيّر كل شيء: تبدّلت الأنظمة، وتحوّلت الأولويات، وانتهت حقبة الصراعات الأيديولوجية التي كانت تحكم سلوك الدول، وبرزت بدلًا منها معايير جديدة تقوم على المصالح المشتركة، واحترام السيادة، والبحث عن الاستقرار والتنمية. الجنوب العربي اليوم ليس جنوب الأمس، لا في رؤيته السياسية، ولا في أدواته، ولا في أهدافه. إنه كيان يسعى إلى بناء دولة تحترم القانون الدولي، وتلتزم بالمعاهدات والمواثيق، وتضع حسن الجوار في مقدمة أولوياتها.
ومن هنا، فإن إعادة قراءة الجنوب بعيون الحاضر باتت ضرورة، لا خيارًا. فالإبقاء على صور ذهنية قديمة لا يخدم أحدًا، بل قد يعيق فرص التعاون ويُبقي مسافة غير مبررة بين طرفين تجمعهما الجغرافيا قبل أي شيء آخر. والجغرافيا، كما يُقال، قدر لا يمكن القفز عليه. الجنوب العربي وسلطنة عُمان يتقاسمان حدودًا ومصالح وامتدادات بشرية وثقافية، تجعل من العلاقة بينهما علاقة مصير مشترك، لا مجرد علاقات دبلوماسية عابرة.
إن الجنوب اليوم يمدّ يده إلى عُمان بصدق، لا من باب المجاملة، بل من منطلق إدراك عميق بأن الاستقرار في هذه المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر شراكات حقيقية بين دولها. وهو في هذا السياق يؤكد التزامه التام باحترام المعاهدات والمواثيق، ليس شكلًا فقط، بل مضمونًا وسلوكًا عمليًا. هذه ليست شعارات، بل توجهات استراتيجية يدرك الجنوب أنها السبيل الوحيد لكسب الثقة وبناء علاقات متينة مع محيطه.
وفي المقابل، فإن من حق الجنوب أن ينتظر من سلطنة عُمان خطوة مماثلة في الاتجاه ذاته. فالعلاقة الصحية لا تقوم على طرف يمدّ اليد وآخر يكتفي بالمراقبة، بل على تبادل الثقة والاعتراف بالواقع الجديد. الجنوب ليس كيانًا عابرًا، ولا مشروعًا مؤقتًا، بل حقيقة جغرافية وسياسية تتشكل على الأرض، ومن الحكمة التعامل معها بعقلانية واستباقية، بدل انتظار فرضها كأمر واقع.
ولعل من أهم ما ينبغي التوقف عنده هو منطق الجغرافيا ذاته. فحين ننظر إلى الخريطة، نجد أن عدن والمهرة والمكلا ليست مجرد مدن جنوبية، بل نقاط تماس حيوية مع سلطنة عُمان، وممرات استراتيجية تؤثر بشكل مباشر في أمنها واستقرارها. هذه المناطق، بحكم قربها وتشابكها، تمثل عمقًا جغرافيًا لعُمان أكثر مما تمثله مدن بعيدة في الشمال اليمني. وهذا ليس تقليلًا من شأن أحد، بل قراءة واقعية لمعطيات الجغرافيا التي تفرض نفسها على السياسة.
إن لغة الجغرافيا واضحة وصريحة: الجار الأقرب هو الأهم، والاستقرار على الحدود هو الأساس، والتفاهم مع من يشاركك الأرض والبحر أولى من الانشغال بتوازنات بعيدة. ومن هذا المنطلق، فإن بناء علاقة استراتيجية بين الجنوب العربي وسلطنة عُمان ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المنطقة وتحدياتها.
في النهاية، يبقى الأمل معقودًا على أن تشهد المرحلة القادمة تقاربًا أكبر بين الطرفين، قائمًا على فهم متبادل، وتجاوز للماضي، واستثمار في الحاضر والمستقبل. فالجنوب العربي لا يبحث عن خصومات، بل عن شراكات، ولا يسعى إلى استدعاء صراعات قديمة، بل إلى فتح صفحة جديدة عنوانها الاحترام والتعاون. وسلطنة عُمان، بحكمتها المعهودة، قادرة على قراءة هذا التحول، والتفاعل معه بما يخدم مصالحها ويعزز استقرار المنطقة بأسرها
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي. عدن