الثلاثاء, 28 يوليو 2026
146
في وقت يرزح فيه الجنوب تحت وطأة أزمات متلاحقة، لم يعد الناس يبحثون عن استدعاء الماضي بقدر ما يتطلعون إلى حوارات تجمع الكلمة، لا إلى فتح ملفات قديمة واستحضار تفاصيلها في حوارات إعلامية مطولة لا تضيف شيئًا إلى واقع المواطن الذي يواجه تحديات يومية تثقل كاهله.
لا أحد يختلف على أن التاريخ جزء من ذاكرة الشعوب، وأن الاستفادة من دروسه أمر ضروري، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى مادة للجدل السياسي، أو وسيلة لإحياء خلافات تجاوزها الزمن. فما يحتاجه الناس اليوم ليس إعادة سرد ما حدث بالأمس، بل البحث عما يجمعهم، وتغليب الحكمة على الخصومة، والانصراف إلى معالجة قضايا الحاضر.
ونحن لا نلوم عامة الناس، ولا حتى مهرجي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يواصلون نبش الجراح وإثارة الفرقة، فهذه المنصات بطبيعتها تعج بالآراء والانفعالات. لكن اللوم الحقيقي يقع على القيادات السياسية والإعلاميين، الذين يُفترض أن يكونوا أكثر وعيًا بحساسية المرحلة.
فكيف تقبل شخصيات جنوبية ذات خبرة سياسية طويلة المشاركة في حوارات تعيد فتح جراح الماضي، وهي تدرك أن كلماتها قد توحد الصف أو تعيد إنتاج الانقسام؟ إن الجنوب اليوم أحوج ما يكون إلى حوارات تقارب، لا حوارات إعلامية؛ حوارات تنطلق من هموم الناس، لا من روايات الماضي. فالمواطن لم يعد منشغلًا بمن كان على حق أو على خطأ، بقدر انشغاله بكيفية الخروج من أزماته اليومية.
ومن المؤسف أن بعض وسائل الإعلام، ومعها أطراف سياسية، تستثمر في استدعاء الماضي وصناعة روايات تخدم أجنداتها، فتختلط الحقائق بالتأويلات، ويغيب الحديث عن هموم الناس وقضاياهم الحقيقية.
إن الحوار الجنوبي– الجنوبي يظل ضرورة وطنية إذا انطلق نحو إنتاج مبادرات واقعية تساعد الجنوبيين على تجاوز أزماتهم المعيشية والاقتصادية والخدمية والسياسية، وهي اليوم أشد قسوة على حياتهم من كثير من أحداث الماضي التي لا يزال البعض يصر على استدعائها. لقد ملَّ الناس روايات الأمس، وأصبحوا ينتظرون مبادرات توحد الصف، وتعالج الواقع، وتخفف المعاناة، وتمهد الطريق نحو حل عادل للقضية الجنوبية.
فالتاريخ مكانه الكتب، ودروسه للعبرة لا لإحياء الخصومات، أما مسؤولية القيادات فهي توحيد الصف، وإطلاق المبادرات التي تخفف المعاناة. فحاضر الجنوب ومستقبله أولى بكل جهد يجمع الكلمة، ويعين أبناءه على تجاوز محنتهم.