> مجاهد القملي:
في اليمن، لا تأتي الكوارث البيئية دائمًا على هيئة أعاصير مدمرة أو فيضانات جارفة تلفت أنظار العالم. أحيانًا تتسلل الكارثة ببطء شديد، حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي الذي يعتاد عليه الناس. هكذا يحدث التصحر. تبدأ الحكاية بحقل يفقد جزءًا من خصوبته، ثم ببئر يتراجع منسوب مياهه، ثم بشجرة تُقطع دون أن تُزرع أخرى مكانها، قبل أن تتحول هذه المشاهد الصغيرة إلى أزمة وطنية واسعة تمتد آثارها من الجبال إلى السواحل، ومن المزارع إلى موائد الطعام.
يكشف تقرير الإبلاغ الوطني الرابع لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لعام 2023 أن اليمن يقف أمام واحدة من أخطر التحديات البيئية في تاريخه الحديث. فالأرض التي كانت يومًا مصدر القوة الاقتصادية والغذائية للمجتمع اليمني تتعرض اليوم لضغوط متزايدة من الجفاف وتغير المناخ واستنزاف المياه الجوفية والتوسع العمراني والاحتطاب الجائر وسوء إدارة الموارد الطبيعية.
ولا يقدم التقرير مجرد أرقام وإحصاءات، بل يرسم صورة متكاملة للعلاقة بين الإنسان والأرض في بلد يعتمد ملايين سكانه بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة والرعي والموارد الطبيعية. وبينما تحاول الخطة الاستراتيجية لوزارة الزراعة والري والثروة السمكية للفترة 2023-2027 رسم مسار للتعافي، تكشف المؤشرات أن الطريق ما يزال طويلًا وأن تكلفة التأخير أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

ولا يرتبط التدهور بظاهرة واحدة، بل هو نتيجة تراكمية لعوامل متعددة عملت معًا على إضعاف قدرة الأرض على التجدد. فسنوات الجفاف المتكررة، وقطع الأشجار، والرعي الجائر، والتوسع العمراني، والتعرية المائية والريحية، كلها ساهمت في إنهاك النظم البيئية الطبيعية.

الأخطر من ذلك أن اليمن يفقد ما يقارب 24 طنًا من التربة لكل هكتار سنويًا بفعل التعرية والانجراف. وهذه الخسارة لا تعني فقط ضياع التربة، بل ضياع الطبقة السطحية الغنية بالعناصر الغذائية التي تعتمد عليها الزراعة.
ومع استمرار هذه الاتجاهات، تتحول الأرض تدريجيًا من مورد منتج إلى عبء اقتصادي واجتماعي، وتصبح استعادتها أكثر كلفة وتعقيدًا مع مرور الوقت.

ولا يقتصر الأمر على السكان فقط. فالتقرير يوضح أن 76.5 في المئة من الأراضي اليمنية كانت متأثرة بالجفاف بحلول عام 2019، وهي نسبة تعكس اتساع رقعة الأزمة على المستوى الوطني.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر، أصبحت الموارد المائية المتاحة أقل قدرة على تلبية الاحتياجات الزراعية، ما يخلق ضغوطًا إضافية على المجتمعات الريفية.
ويؤكد التقرير أن الجفاف لم يعد ظاهرة استثنائية يمكن التعامل معها عبر إجراءات موسمية مؤقتة، بل أصبح تحدياً هيكلياً يتطلب سياسات طويلة الأمد للتكيف مع المناخ الجديد الذي يتشكل في اليمن.

فعلى مدى عقود طويلة، شكلت المياه الجوفية شبكة الأمان التي سمحت للقطاع الزراعي بالاستمرار رغم محدودية الأمطار. لكن هذه الشبكة نفسها بدأت تتعرض لضغوط غير مسبوقة نتيجة الاستهلاك المتزايد والضخ المستمر.
تشير البيانات إلى أن نصيب الفرد من المياه المتاحة انخفض بنسبة 42 في المئة بين عامي 2000 و2023. ويعد هذا التراجع من بين المؤشرات الأكثر خطورة في التقرير لأنه يعكس اتجاهًا طويل الأمد يصعب عكسه بسرعة.
في العديد من المناطق الزراعية، أصبح المزارعون يضطرون إلى تعميق الآبار أو حفر آبار جديدة للوصول إلى المياه. ومع كل متر إضافي ينخفض فيه منسوب المياه الجوفية ترتفع كلفة الزراعة وتتراجع جدواها الاقتصادية.
ويحذر التقرير من أن استنزاف المياه الجوفية لا يهدد الزراعة فقط، بل يهدد الأمن المائي للمجتمعات المحلية بأكملها. فالمياه التي تُستنزف اليوم لن تكون متاحة للأجيال القادمة إذا استمر السحب بمعدلات تفوق قدرة الطبيعة على التعويض.
كما أن بعض المناطق بدأت تواجه مشكلات مرتبطة بارتفاع ملوحة المياه وتراجع جودتها، ما يزيد من صعوبة استخدامها للزراعة أو الشرب.
ولهذا يضع التقرير إدارة المياه في قلب أي استراتيجية وطنية لمكافحة التصحر، معتبرًا أن مستقبل اليمن البيئي والزراعي سيُحسم إلى حد كبير في معركة الحفاظ على موارده المائية المحدودة.

تكشف البيانات أن إنتاجية الأراضي الزراعية انخفضت بنحو 30 في المئة خلال العقدين الماضيين. ويعود ذلك إلى مجموعة معقدة من العوامل تشمل تدهور الأراضي وشح المياه وضعف المدخلات الزراعية وتأثيرات تغير المناخ.
كما أن أكثر من 80 في المئة من المزارعين يعتمدون على الزراعة المطرية، ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع تقلبات المناخ. وعندما تتأخر الأمطار أو تقل كمياتها، تنعكس النتائج فوراً على الإنتاج والدخل والأمن الغذائي.
ويشير التقرير إلى أن أقل من 20 في المئة من الحيازات الزراعية تستخدم تقنيات حديثة، بينما لا تزال غالبية المزارع تعتمد على أساليب تقليدية تواجه صعوبة متزايدة في التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.
كما أدى ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وتراجع خدمات الإرشاد الزراعي إلى إضعاف قدرة المزارعين على تحسين الإنتاجية أو تبني ممارسات أكثر استدامة.
وفي ظل هذه التحديات، أصبح القطاع الزراعي يخوض معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من قدرته الإنتاجية.

هذه الأرقام لا تعكس أزمة غذائية مؤقتة، بل تكشف هشاشة هيكلية في قدرة البلاد على إنتاج الغذاء وتأمينه للسكان.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع اعتماد اليمن على استيراد نحو 70 في المئة من احتياجاته الغذائية. وهذا الاعتماد يجعل الأمن الغذائي الوطني رهينة للتقلبات الاقتصادية العالمية وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد الدولية.
كما تظهر البيانات انخفاضًا واضحًا في إنتاج المحاصيل الرئيسية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يوسع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الفعلية للسكان.
وبينما تتزايد الضغوط المناخية والاقتصادية، يصبح الأمن الغذائي أحد أكثر المجالات حساسية وتأثرًا بتدهور الموارد الطبيعية.
فبحسب بيانات استخدام الأراضي الزراعية، يحتل القات المرتبة الثانية بعد الحبوب بنسبة 14.2 في المئة من الأراضي الزراعية.
ورغم الأهمية الاقتصادية للقات بالنسبة لعدد كبير من المزارعين، فإن توسعه يثير جدلًا واسعًا بسبب استهلاكه المرتفع للمياه وتأثيره على المساحات المخصصة للمحاصيل الغذائية.
ويشير التقرير بصورة غير مباشرة إلى أن إدارة الموارد الزراعية مستقبلًا ستتطلب تحقيق توازن دقيق بين المصالح الاقتصادية للمزارعين ومتطلبات الأمن الغذائي وإدارة المياه.
فالقضية لا تتعلق بمحصول زراعي واحد، بل بكيفية توزيع الموارد المحدودة بين أنشطة زراعية متنافسة في بلد يعاني أصلًا من ندرة المياه وتدهور الأراضي.
يؤكد التقرير أن الاحتطاب الجائر يمثل أحد أبرز أسباب تدهور الأراضي، حيث أدى الاعتماد على الحطب كمصدر للطاقة المنزلية إلى استنزاف أجزاء واسعة من الغطاء النباتي الطبيعي.
ومع غياب برامج تعويض فعالة بالتشجير، أصبحت كثير من المناطق أكثر عرضة للتعرية والانجراف وفقدان التنوع الحيوي.
ولا تقتصر خسارة الغابات على الجانب البيئي، بل تمتد إلى خسارة خدماتها الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك حماية التربة وتنظيم المياه وتوفير المراعي الطبيعية.
فالخطة تتحدث عن استعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم المجتمعات الريفية، والتكيف مع تغير المناخ.
لكن الفجوة الحقيقية تكمن بين التخطيط والتنفيذ. فحجم التحديات يفوق بكثير الإمكانات المتاحة حالياً، كما أن الظروف الاقتصادية والمؤسسية تجعل تحقيق الأهداف أكثر تعقيداً.
ورغم ذلك، فإن مجرد عودة اليمن إلى مسار الإبلاغ الدولي وتحديث بياناته البيئية يمثل خطوة مهمة نحو بناء سياسات أكثر استناداً إلى الأدلة العلمية.
فإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وحصاد مياه الأمطار، وتوسيع التشجير، وتطوير الإرشاد الزراعي، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتبني الزراعة الذكية مناخياً، كلها حلول أثبتت نجاحها في مناطق مختلفة من العالم ويمكن تكييفها مع الواقع اليمني.
لكن نجاح هذه الجهود يتطلب أكثر من الخطط والوثائق. يتطلب إرادة سياسية، واستثمارات طويلة الأمد، وشراكة حقيقية مع المجتمعات المحلية، ووعيًا مجتمعيًا بأن حماية الأرض ليست قضية بيئية فحسب، بل قضية بقاء.
فالتصحر ليس عدوًا بعيدًا عن حياة اليمنيين، بل تحدٍ حاضر في كل حقل جاف، وكل بئر يتراجع منسوبه، وكل أسرة تكافح من أجل غذائها. وإذا كانت الأرض قد أطلقت صرختها عبر هذا التقرير، فإن الاستجابة لتلك الصرخة ستحدد شكل اليمن الذي سيرثه أبناؤه في العقود القادمة.
أنتج هذا التقرير ضمن حملة "المناخ روح الأرض".
منصة «سَد»
يكشف تقرير الإبلاغ الوطني الرابع لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لعام 2023 أن اليمن يقف أمام واحدة من أخطر التحديات البيئية في تاريخه الحديث. فالأرض التي كانت يومًا مصدر القوة الاقتصادية والغذائية للمجتمع اليمني تتعرض اليوم لضغوط متزايدة من الجفاف وتغير المناخ واستنزاف المياه الجوفية والتوسع العمراني والاحتطاب الجائر وسوء إدارة الموارد الطبيعية.
ولا يقدم التقرير مجرد أرقام وإحصاءات، بل يرسم صورة متكاملة للعلاقة بين الإنسان والأرض في بلد يعتمد ملايين سكانه بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة والرعي والموارد الطبيعية. وبينما تحاول الخطة الاستراتيجية لوزارة الزراعة والري والثروة السمكية للفترة 2023-2027 رسم مسار للتعافي، تكشف المؤشرات أن الطريق ما يزال طويلًا وأن تكلفة التأخير أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
- أرض تتآكل ببطء
لا يحتاج اليمنيون إلى تقارير دولية ليلاحظوا التغيرات التي أصابت أراضيهم خلال العقود الأخيرة. فالمزارعون الذين كانوا يحصدون محاصيل وفيرة من نفس الحقول باتوا يواجهون إنتاجية متراجعة عامًا بعد آخر، والرعاة الذين عرفوا المراعي الخضراء في مواسم الأمطار يشاهدون اليوم مساحات واسعة من الأراضي القاحلة. غير أن ما تضيفه البيانات العلمية هو القدرة على قياس حجم هذه التحولات وتوثيقها.

تشير بيانات التقرير إلى أن نحو 61 في المئة من أراضي اليمن أصبحت متدهورة بدرجات مختلفة، أي ما يعادل أكثر من 18.2 مليون هكتار. ويعني ذلك أن أكثر من نصف المساحة القابلة للاستفادة البيئية أو الاقتصادية تعرضت لفقدان تدريجي في قدرتها الإنتاجية أو البيئية.

وتظهر خرائط التقرير أن المحافظات الغربية والجنوبية والمرتفعات الجبلية تعد الأكثر تعرضاً لمستويات التدهور المرتفعة. وهي المفارقة التي تكشف أن بعض أكثر المناطق الزراعية أهمية في البلاد أصبحت أيضاً من أكثرها هشاشة بيئيًا.

الأخطر من ذلك أن اليمن يفقد ما يقارب 24 طنًا من التربة لكل هكتار سنويًا بفعل التعرية والانجراف. وهذه الخسارة لا تعني فقط ضياع التربة، بل ضياع الطبقة السطحية الغنية بالعناصر الغذائية التي تعتمد عليها الزراعة.
ومع استمرار هذه الاتجاهات، تتحول الأرض تدريجيًا من مورد منتج إلى عبء اقتصادي واجتماعي، وتصبح استعادتها أكثر كلفة وتعقيدًا مع مرور الوقت.
- الجفاف يعيد رسم اليمن
في الماضي، كان المزارع اليمني يضبط مواسمه الزراعية وفقًا لمواعيد الأمطار المعروفة تقريبًا. أما اليوم، فقد أصبحت الأمطار أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ. تتأخر أحيانًا، وتتراجع أحيانًا أخرى، أو تهطل بشكل عنيف خلال فترات قصيرة ثم تختفي لأشهر طويلة.
تعكس بيانات التقرير هذا التحول بوضوح. فقد ارتفعت نسبة السكان المعرضين لمخاطر الجفاف من 12.8 في المئة عام 2015 إلى 20.8 في المئة عام 2023. وبالأرقام المطلقة يعني ذلك أن نحو ستة ملايين شخص أصبحوا يواجهون مستويات أعلى من المخاطر المرتبطة بالجفاف.

ولا يقتصر الأمر على السكان فقط. فالتقرير يوضح أن 76.5 في المئة من الأراضي اليمنية كانت متأثرة بالجفاف بحلول عام 2019، وهي نسبة تعكس اتساع رقعة الأزمة على المستوى الوطني.
في القرى الزراعية، لا يُقاس الجفاف بكمية الأمطار فحسب، بل بعدد المواسم الزراعية التي ضاعت، وبعدد الأسر التي اضطرت لبيع مواشيها أو مغادرة أراضيها، وبحجم الديون التي تراكمت على المزارعين نتيجة تراجع الإنتاج.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر، أصبحت الموارد المائية المتاحة أقل قدرة على تلبية الاحتياجات الزراعية، ما يخلق ضغوطًا إضافية على المجتمعات الريفية.
ويؤكد التقرير أن الجفاف لم يعد ظاهرة استثنائية يمكن التعامل معها عبر إجراءات موسمية مؤقتة، بل أصبح تحدياً هيكلياً يتطلب سياسات طويلة الأمد للتكيف مع المناخ الجديد الذي يتشكل في اليمن.
- معركة المياه الخفية
إذا كان الجفاف هو الوجه الظاهر للأزمة، فإن المياه الجوفية تمثل المعركة الحقيقية الدائرة في الخفاء.

فعلى مدى عقود طويلة، شكلت المياه الجوفية شبكة الأمان التي سمحت للقطاع الزراعي بالاستمرار رغم محدودية الأمطار. لكن هذه الشبكة نفسها بدأت تتعرض لضغوط غير مسبوقة نتيجة الاستهلاك المتزايد والضخ المستمر.
تشير البيانات إلى أن نصيب الفرد من المياه المتاحة انخفض بنسبة 42 في المئة بين عامي 2000 و2023. ويعد هذا التراجع من بين المؤشرات الأكثر خطورة في التقرير لأنه يعكس اتجاهًا طويل الأمد يصعب عكسه بسرعة.
في العديد من المناطق الزراعية، أصبح المزارعون يضطرون إلى تعميق الآبار أو حفر آبار جديدة للوصول إلى المياه. ومع كل متر إضافي ينخفض فيه منسوب المياه الجوفية ترتفع كلفة الزراعة وتتراجع جدواها الاقتصادية.
ويحذر التقرير من أن استنزاف المياه الجوفية لا يهدد الزراعة فقط، بل يهدد الأمن المائي للمجتمعات المحلية بأكملها. فالمياه التي تُستنزف اليوم لن تكون متاحة للأجيال القادمة إذا استمر السحب بمعدلات تفوق قدرة الطبيعة على التعويض.
كما أن بعض المناطق بدأت تواجه مشكلات مرتبطة بارتفاع ملوحة المياه وتراجع جودتها، ما يزيد من صعوبة استخدامها للزراعة أو الشرب.
ولهذا يضع التقرير إدارة المياه في قلب أي استراتيجية وطنية لمكافحة التصحر، معتبرًا أن مستقبل اليمن البيئي والزراعي سيُحسم إلى حد كبير في معركة الحفاظ على موارده المائية المحدودة.
- الزراعة تحت الضغط
في بلد يعتمد ملايين السكان على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والغذاء، يمثل تراجع أداء القطاع الزراعي مؤشراً بالغ الخطورة.

تكشف البيانات أن إنتاجية الأراضي الزراعية انخفضت بنحو 30 في المئة خلال العقدين الماضيين. ويعود ذلك إلى مجموعة معقدة من العوامل تشمل تدهور الأراضي وشح المياه وضعف المدخلات الزراعية وتأثيرات تغير المناخ.
كما أن أكثر من 80 في المئة من المزارعين يعتمدون على الزراعة المطرية، ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع تقلبات المناخ. وعندما تتأخر الأمطار أو تقل كمياتها، تنعكس النتائج فوراً على الإنتاج والدخل والأمن الغذائي.
ويشير التقرير إلى أن أقل من 20 في المئة من الحيازات الزراعية تستخدم تقنيات حديثة، بينما لا تزال غالبية المزارع تعتمد على أساليب تقليدية تواجه صعوبة متزايدة في التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.
كما أدى ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وتراجع خدمات الإرشاد الزراعي إلى إضعاف قدرة المزارعين على تحسين الإنتاجية أو تبني ممارسات أكثر استدامة.
وفي ظل هذه التحديات، أصبح القطاع الزراعي يخوض معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من قدرته الإنتاجية.
- أمن غذائي مهدد
تشير بيانات التقرير إلى أن 16.2 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما يحتاج 17.7 مليون شخص إلى مساعدات غذائية، ويعاني 4.8 مليون طفل من سوء التغذية.

هذه الأرقام لا تعكس أزمة غذائية مؤقتة، بل تكشف هشاشة هيكلية في قدرة البلاد على إنتاج الغذاء وتأمينه للسكان.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع اعتماد اليمن على استيراد نحو 70 في المئة من احتياجاته الغذائية. وهذا الاعتماد يجعل الأمن الغذائي الوطني رهينة للتقلبات الاقتصادية العالمية وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد الدولية.
كما تظهر البيانات انخفاضًا واضحًا في إنتاج المحاصيل الرئيسية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يوسع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الفعلية للسكان.
وبينما تتزايد الضغوط المناخية والاقتصادية، يصبح الأمن الغذائي أحد أكثر المجالات حساسية وتأثرًا بتدهور الموارد الطبيعية.
- القات ومعضلة الموارد
فبحسب بيانات استخدام الأراضي الزراعية، يحتل القات المرتبة الثانية بعد الحبوب بنسبة 14.2 في المئة من الأراضي الزراعية.
ورغم الأهمية الاقتصادية للقات بالنسبة لعدد كبير من المزارعين، فإن توسعه يثير جدلًا واسعًا بسبب استهلاكه المرتفع للمياه وتأثيره على المساحات المخصصة للمحاصيل الغذائية.
ويشير التقرير بصورة غير مباشرة إلى أن إدارة الموارد الزراعية مستقبلًا ستتطلب تحقيق توازن دقيق بين المصالح الاقتصادية للمزارعين ومتطلبات الأمن الغذائي وإدارة المياه.
فالقضية لا تتعلق بمحصول زراعي واحد، بل بكيفية توزيع الموارد المحدودة بين أنشطة زراعية متنافسة في بلد يعاني أصلًا من ندرة المياه وتدهور الأراضي.
- الغابات تختفي تدريجيًا
يؤكد التقرير أن الاحتطاب الجائر يمثل أحد أبرز أسباب تدهور الأراضي، حيث أدى الاعتماد على الحطب كمصدر للطاقة المنزلية إلى استنزاف أجزاء واسعة من الغطاء النباتي الطبيعي.
ومع غياب برامج تعويض فعالة بالتشجير، أصبحت كثير من المناطق أكثر عرضة للتعرية والانجراف وفقدان التنوع الحيوي.
ولا تقتصر خسارة الغابات على الجانب البيئي، بل تمتد إلى خسارة خدماتها الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك حماية التربة وتنظيم المياه وتوفير المراعي الطبيعية.
- بين الخطة والواقع
فالخطة تتحدث عن استعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم المجتمعات الريفية، والتكيف مع تغير المناخ.
لكن الفجوة الحقيقية تكمن بين التخطيط والتنفيذ. فحجم التحديات يفوق بكثير الإمكانات المتاحة حالياً، كما أن الظروف الاقتصادية والمؤسسية تجعل تحقيق الأهداف أكثر تعقيداً.
ورغم ذلك، فإن مجرد عودة اليمن إلى مسار الإبلاغ الدولي وتحديث بياناته البيئية يمثل خطوة مهمة نحو بناء سياسات أكثر استناداً إلى الأدلة العلمية.
- طريق اليمن الأخضر
فإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وحصاد مياه الأمطار، وتوسيع التشجير، وتطوير الإرشاد الزراعي، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتبني الزراعة الذكية مناخياً، كلها حلول أثبتت نجاحها في مناطق مختلفة من العالم ويمكن تكييفها مع الواقع اليمني.
لكن نجاح هذه الجهود يتطلب أكثر من الخطط والوثائق. يتطلب إرادة سياسية، واستثمارات طويلة الأمد، وشراكة حقيقية مع المجتمعات المحلية، ووعيًا مجتمعيًا بأن حماية الأرض ليست قضية بيئية فحسب، بل قضية بقاء.
فالتصحر ليس عدوًا بعيدًا عن حياة اليمنيين، بل تحدٍ حاضر في كل حقل جاف، وكل بئر يتراجع منسوبه، وكل أسرة تكافح من أجل غذائها. وإذا كانت الأرض قد أطلقت صرختها عبر هذا التقرير، فإن الاستجابة لتلك الصرخة ستحدد شكل اليمن الذي سيرثه أبناؤه في العقود القادمة.
أنتج هذا التقرير ضمن حملة "المناخ روح الأرض".
منصة «سَد»



















