لستُ متابعًا جيدًا للرياضة، لكن كأس العالم وأخباره هو الذى يتابعنا إلى كل مكان. لا مفر لك من سماع دوى المدرجات، حتى وإن كنت في غرفة مكتظة بالكتب، لا تلفاز فيها ولا شاشة.

يتصدر الخبر شاشة هاتفك، ويحتل طرف كل لسان.

تشرب قهوتك في مكانٍ قصى، على آخر شرفة في طنجة، فيأتيك النادل مبتسما، ولا يجد ما يفتتح به الحديث إلا السؤال عن الكأس. وقبل أن يغادر، يرن الهاتف من أعلى جبل في جنوب تعز، في اليمن، فيقول لك صديق أنهكته عملية قلب: «هل تتابع كأس العالم؟» فتجيبه مبتسما: «الكأس في أمريكا... أما المتابعة ووجع القلب ففي كل مكان».

هكذا أصبحت كرة القدم شعورا متناقضا؛ بهجةً وقلقا يحيطان بالعالم كله.

لكن ما يشدني ليس المستطيل الأخضر، بل ما يدور حوله من سياسة. فنحن أبناء جيلٍ حاصرته نظرية المؤامرة؛ جيلٌ يرد كل شيء إلى السياسة، من إغلاق مضيق هرمز إلى تعطل هاتفك فجأة، دون أن تعرف السبب.

لا شيء يحدث مصادفة... أو هكذا تربينا. فكيف إذا دخل دونالد ترامب إلى الملعب؟

الرئيس المفتون بالأضواء، والقادر على أن يجعل من نفسه عنوانًا لكل حدث، حضر هذه المرة من بوابة كرة القدم، وصار -بتعبير أهل الرياضة - رأس الحربة وصانع الأهداف.

وضجت وسائل الإعلام بالجدل الذى رافق تعليقه على إحدى الحالات التحكيمية، ورفضه للبطاقة الحمراء التي أُعطيت للاعبٍ أمريكي، حتى بدا وكأن النقاش غادر الملعب إلى السياسة.

وحين يقول رئيس دولة عظمى إن القرار التحكيمي لم يكن صائبا، يصبح السؤال أكبر من كرة القدم: من يملك الكلمة الأخيرة، الحكم أم النفوذ؟.

في الرواية الساخرة، لم تعد حاملات الطائرات هي التي تتحرك، بل الهواتف الدبلوماسية.

وكأن البيت الأبيض اكتشف أن مكالمة واحدة قد تؤدى ما كانت تؤديه الأساطيل.

أما اتحاد الفيفا، فوجد نفسه بين نصوص القانون وثقل السياسة، وبين قواعد اللعبة وضغوط القوى الكبرى. ففضل القوى الكبرى وضرب بالقواعد والقوانين خارج الملعب.

لكن أوروبا كان لها رأى آخر. فما عجزت عنه النقاشات خارج الملعب، حُسم داخل المستطيل الأخضر.

وجاء الرد من بلجيكا، التي أنهت الحلم الأمريكي بأربعة أهداف، وكأنها تقول إن ما لا يُحسم في المكاتب قد يُحسم في الملاعب.

وهنا تبدأ مدرسة نظرية المؤامرة عملها المعتاد. هل يجتمع الناتو هذا الأسبوع بسبب مضائق العالم... أم بسبب كأس العالم؟.

وهل ستسمح أمريكا بأن يغادر الكأس أراضيها؟ ولماذا لا يُمنح كأسان هذه المرة؛ واحدٌ للبطل، وآخر لسيد التنظيم؟ وإن كان مستوى التنظيم في هذه الدورة دون المأمول.

لعلها أفضل تسوية سياسية في تاريخ الرياضة، تمنح الجميع شعورا بالانتصار، وتُخرج الفيفا من حرج السياسة بأقل الخسائر، وأكثر الأرباح والفضائح.

ويأتيك صديق آخر، وهو يطلق قهقهةً ساخرة، ليواصل بناء نظريته بثقة لا تهتز، فيقول: وكيف تفسر أن بعض المنتخبات خرجت من البطولة بنتائج تبدو أقرب إلى الحسابات منها إلى مفاجآت الكرة؟ فقد خرج منتخب إيران بعد ثلاث مباريات انتهت كلها بالتعادل. أليست تلك نتيجةً أقرب إلى مذكرة تفاهم منها إلى نتائج الحظ فى اللعبة المستديرة؟.

ثم يضيف: هل يُعقل أن يرضى رعاة اللعبة، وأباطرة الإعلانات، وسوق المليارات، بخروج كل الأسماء الكبرى مبكرا؟ أين تذهب نسب المشاهدة؟ ومن يعوض خسائر المراهنات والإعلانات؟

في عالم المؤامرة، لا مكان للحظ... فالمصلحة قبل الأخلاق، والأسهم قبل المتعة!.

أقول ذلك، وأنا لا أحب الرياضة كثيرا، ولا السياسة أكثر منها. لكن من يتركك وشأنك في هذا العالم، وأنت تجلس في مكان قصى وجميل، تحاول أن تقرأ كتابا عن العدالة المناخية!، بينما الكرة الأرضية كلها تتحول إلى كرة قدم؟.

ولعلنا، على غرار المقولة التي اشتهر بها رائد المسرح العربي يوسف وهبي، المستوحاة من شكسبير، لم نعد نقول: «وما الدنيا إلا مسرح كبير»، بل أصبح الأصدق فى زمننا أن نقول: «وما الدنيا إلا ملعب كبير».

فلم تعد السياسة تُدار في قاعات المفاوضات وحدها، ولا الحروب تُحسم في ميادين القتال فقط، بل امتدت إلى الملاعب، حيث تتقاطع المصالح، وتتبارى الدول في النفوذ والرمزية، وتغدو كرة القدم، فى كثير من الأحيان، جزءا من لعبة الأمم؛ يتداخل فيها الإعلام بالقوة الناعمة، والرياضة بالسياسة، حتى أصبح الملعب مرآةً للعالم بكل صراعاته وتحالفاته... وصفاراته أيضا.

تجد في الملعب، كما في السياسة، من يتصدر المستطيل الأخضر ويختطف الأضواء والرهانات، ومن لا يُسمح له إلا بحيزٍ في كراسي المتفرجين ودافعي الضرائب.

"الأهرام"