أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 08:15 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حين تُكسف شمس هرمز.. هل يشرق باب المندب؟

    السفير عزالدين سعيد الأصبحي




    في الشرق الأوسط، لا تتحرك الجغرافيا وحدها، بل تتحرك معها خرائط النفوذ، وحسابات القوة، وموازين الردع. وكلما اشتعلت جبهة، أضاءت جبهات أخرى على وقع المصالح المتشابكة، حتى تبدو المنطقة وكأنها رقعة شطرنج تتبدل فيها المواقع، بينما تبقى الشعوب هي الخاسر الدائم.

    من هنا، تبدو اليمن اليوم أمام لحظة فارقة. ليست عودة إلى الحرب، فالحرب لم تغادرها منذ تمرد ميليشيا الحوثي على الدولة عام 2014، وإنما احتمال انتقالها إلى مرحلة أكثر اتساعًا، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الصراع الإقليمي، وتتحول فيها الجغرافيا اليمنية إلى إحدى أهم ساحات الاشتباك غير المباشر.

    ومع تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تتزاحم الأسئلة أكثر من الإجابات. فإذا كانت شمس هرمز قد تغيب عن طهران بفعل الضغوط العسكرية والسياسية، فهل تبحث دولة الملالي عن نافذة جديدة عبر باب المندب؟ وهل يمكن أن تتحول الممرات البحرية إلى الورقة الاستراتيجية التي تعوض بها إيران خسائرها، وتمنحها نفوذًا يتجاوز، في حسابات الجغرافيا السياسية، ما يمثله برنامجها النووي؟

    وما قيمة برنامج نووي متعثر إذا امتلكت طهران القدرة على التأثير في أحد أهم الشرايين البحرية التي تمر عبرها نسبة وازنة من التجارة العالمية؟

    وهل تسعى إلى تعويض خسائرها بفرض معادلة جديدة عنوانها السيطرة على المضائق؟ لا أحد يملك يقين الإجابة، لكن المؤشرات تستحق التوقف أمامها.

    منذ أسابيع، تتداول وسائل إعلام ومصادر سياسية معلومات عن استعدادات عسكرية واسعة تقوم بها ميليشيا الحوثي، تشمل تحشيدًا للمقاتلين، ونقلًا للصواريخ والطائرات المسيّرة، وإعادة تموضع في عدد من الجبهات.

    كما جرى الحديث عن اجتماع أشرف عليه ما يسمى السفير الإيراني لدى الحوثيين، انتهى إلى الاتفاق على العودة إلى التصعيد العسكري، مع تحديد ثلاث جبهات رئيسية: مأرب والجوف، وتعز المشرفة على باب المندب، بالإضافة إلى الحدود اليمنية السعودية.

    (قد لا تكون كل هذه المعلومات قابلة للتأكيد، لكن الوقائع الميدانية اللاحقة، وحركة التحشيد، وتصاعد الخطاب العسكري، تجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد شائعات أو حربًا نفسية).

    ويأتي القصف الحوثي على مواقع القوات الحكومية، الخميس الماضي، بجريمة بشعة، واستهداف نجران خلال الأيام الأخيرة، (وقد تطور هذا القصف الحوثي خلال الساعات الأخيرة ليشمل عشرات الصواريخ والمسيّرات على ميناء المخا في محافظة تعز).

    ليعزز المخاوف من دخول التصعيد مرحلة جديدة، ويزيد من الاعتقاد بأن أذرع إيران في المنطقة قد تكون بصدد تنفيذ أدوار أكثر اتساعًا.

    لقد نجحت الضغوط الدولية منذ عام 2022 في إيقاف المعارك الكبرى، وأوقفت عملية تحرير الحديدة وإعطائها للحوثيين، وأدخلت اليمن في حالة يمكن وصفها بـ«اللاسلم واللاحرب».

    هدأت الجبهات، لكن أسباب الصراع لم تهدأ. توقفت المعارك، لكن مشروع الميليشيا لم يتوقف.

    ولذلك، لم يكن الهدوء الذي عاشته البلاد سلامًا حقيقيًا، بقدر ما كان هدنة مؤجلة فوق برميل من البارود.

    وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. هل بدأت بالفعل ملامح الجولة العسكرية المقبلة؟ وهل تقف اليمن على أعتاب مواجهة واسعة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها؟ أم أن ما يجري لا يزال جزءًا من حرب الرسائل والضغوط المتبادلة في الإقليم؟

    إن باب المندب لم يعد مجرد مضيق بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، بل أصبح عنوانًا لصراع دولي واسع، تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى، وتتشابك فيه حسابات الأمن والطاقة والتجارة العالمية.

    ومن يملك القدرة على تهديد هذا الممر لا يؤثر في اليمن وحده، بل يمتلك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي بأسره.

    ولهذا، فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة لن يكون حدثًا يمنيًا خالصًا، بل سيكون جزءًا من معادلة إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا.

    وقد تراهن إيران على أن تحريك الميليشيات التابعة لها في أكثر من ساحة سيعيد توزيع أوراق القوة، ويخفف عنها الضغوط، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية.

    لكن مثل هذه الرهانات تعني، في المقابل، مزيدًا من الدمار للدول التي تتحول إلى ساحات صراع بالوكالة، وفي مقدمتها اليمن. ويبقى السؤال الأكبر: هل ما زال بالإمكان منع الانفجار، أم أننا أمام فصل جديد من الحرب؟ (بين كتابة هذه الأسطر ونشرها 48 ساعة، وهي كفيلة بحدوث تطورات عديدة ومربكة).

    يعلمنا التاريخ أن الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما تتجاهل الدول الإشارات التي تسبقها. ولذلك، فإن قراءة المؤشرات، والاستعداد لكل الاحتمالات، ليست دعوة إلى الحرب، بل محاولة لتجنبها.

    فالسلام الحقيقي لا يُصنع بالأمنيات، وإنما ببناء القوة، وتوحيد القرار، واستعادة الدولة القادرة على حماية سيادتها.

    ويبقى اليمن، مرة أخرى، أمام اختبار صعب، لا بد أن يفوز فيه، وسيعمل من أجل ذلك، فهذا شعب ذو قوة وبأس شديد.

    وكطائر الفينيق، سنراه ينبعث من الرماد، فذاك قدره منذ سيل العرم إلى حرب المضائق!

    ولعل الخطوة الأولى في طريق استعادة الاستقرار تكمن في إنهاء تمرد الميليشيا، واستعادة مؤسسات الدولة.

    وحين تُكسف شمس هرمز، قد يظن البعض أن باب المندب هو القمر البديل. لكن الحقيقة أن المضائق قد تكون أوراق قوة للدول، بينما تظل الأوطان هي أول من يدفع ثمن تحويل الجغرافيا إلى سلاح، والبحار إلى ميادين صراع، والإنسان إلى رقم جديد في سجل المآسي.

    "الأهرام"

المزيد من مقالات (السفير عزالدين سعيد الأصبحي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال