ثمة سؤال ظل يرافقني كلما قرأت خبرًا جديدًا عن التصعيد العسكري، أو تابعت أخبار المواجهات والتحديات الراهنة في اليمن: ماذا لو اجتمعت نساء اليمن كلهن في مكان واحد؟
ليس ليناقشن السياسة، ولا ليتجادلن حول من بدأ الحرب ومن أخطأ، بل ليسأل بعضهن بعضًا سؤالًا واحدًا: هل بيننا امرأة تتمنى أن تستمر الحرب؟
هل هناك أمّ حملت طفلها تسعة أشهر، وسهرت الليالي على مرضه، وفرحت بأول كلمة نطق بها، ثم تمنت يومًا أن يكبر ليكون رقمًا جديدًا في قوائم الضحايا؟
وهل هناك زوجة بنت بيتها على المودة والسكينة، ثم حلمت أن يصبح الانتظار عنوان حياتها، وأن يتحول صوت زوجها إلى ذكرى، وصورته إلى حنين؟
وهل هناك ابنة تتمنى أن ترى والدها يغادر البيت، ولا تعرف إن كان سيعود أم سيبقى اسمه فقط؟
يصعب أن نجد قلبًا سليمًا يجيب بـ"نعم". لأن المرأة، قبل أن تكون أي شيء آخر، هي المدرسة الأولى للحياة. تحمل في فطرتها الميل إلى البناء، لا إلى الهدم، وإلى جمع القلوب، لا إلى تمزيقها. ولهذا كانت أول من يشعر بانهيار المجتمع، وآخر من يتخلى عن الأمل في شفائه.
الحروب لا تقتل البشر فقط، بل تغيّر لغة البيوت. تجعل الطفل يحفظ أصوات الانفجارات أكثر من أناشيد المدرسة، وتدفع الأسرة إلى أن تنشغل بالنجاة بدل أن تنشغل بالتربية، وتحوّل الأحلام الصغيرة إلى أمنيات كبيرة؛ أن ينام الأبناء آمنين، وأن تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كانت المرأة هي التي تمنح الحياة، فلماذا يُترك صوتها خافتًا كلما ارتفع صوت الحرب؟
ولماذا نبحث عن حلول في ساحات القتال، بينما أعظم مصانع السلام كانت ولا تزال داخل البيوت؟
إن الأمم لا تبدأ من قصور الحكم، بل من حضن أم. فمنه يتعلم الطفل أول معنى للرحمة، وأول درس في احترام الآخر، وأول طريقة لحل الخلاف بالحوار لا بالخصام.
وحين تُربَّى الأجيال على أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن الكرامة لا تحتاج إلى كراهية، وأن قوة الإنسان ليست في قدرته على الإيذاء بل في قدرته على الإصلاح، عندها فقط يبدأ الوطن بالخروج من دائرة الحرب.
ربما لن تستطيع امرأة واحدة أن توقف حربًا، لكن ملايين النساء قادرات على تربية جيل لا يورثها لأبنائه. وهذا هو الفارق بين من يصنع معركةً تنتهي بعد سنوات، ومن يصنع إنسانًا يبني وطنًا لأجيال.
ولعل السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام ضمير كل يمني ليس: من انتصر؟
بل: أي انتصار يستحق أن تبكي من أجله أم، ويتيتم بسببه طفل، وتترمل فيه زوجة، ويكبر فيه جيل وهو لا يعرف من الوطن إلا رائحة البارود؟
فإذا اجتمع صوت الأمهات، وحكمة الزوجات، وأمل البنات، على كلمة واحدة تقول: "نريد الحياة" ، فلن يكون ذلك مجرد موقف عاطفي، بل سيكون بداية أعظم مشروع وطني؛ مشروع يعيد لليمن ما لا تستطيع الحروب أن تمنحه أبدًا وهو "الإنسان".
نعم عندما تقول المرأة: كفى.. يبدأ الوطن بالشفاء.
ودمتم سالمين.
ليس ليناقشن السياسة، ولا ليتجادلن حول من بدأ الحرب ومن أخطأ، بل ليسأل بعضهن بعضًا سؤالًا واحدًا: هل بيننا امرأة تتمنى أن تستمر الحرب؟
هل هناك أمّ حملت طفلها تسعة أشهر، وسهرت الليالي على مرضه، وفرحت بأول كلمة نطق بها، ثم تمنت يومًا أن يكبر ليكون رقمًا جديدًا في قوائم الضحايا؟
وهل هناك زوجة بنت بيتها على المودة والسكينة، ثم حلمت أن يصبح الانتظار عنوان حياتها، وأن يتحول صوت زوجها إلى ذكرى، وصورته إلى حنين؟
وهل هناك ابنة تتمنى أن ترى والدها يغادر البيت، ولا تعرف إن كان سيعود أم سيبقى اسمه فقط؟
يصعب أن نجد قلبًا سليمًا يجيب بـ"نعم". لأن المرأة، قبل أن تكون أي شيء آخر، هي المدرسة الأولى للحياة. تحمل في فطرتها الميل إلى البناء، لا إلى الهدم، وإلى جمع القلوب، لا إلى تمزيقها. ولهذا كانت أول من يشعر بانهيار المجتمع، وآخر من يتخلى عن الأمل في شفائه.
الحروب لا تقتل البشر فقط، بل تغيّر لغة البيوت. تجعل الطفل يحفظ أصوات الانفجارات أكثر من أناشيد المدرسة، وتدفع الأسرة إلى أن تنشغل بالنجاة بدل أن تنشغل بالتربية، وتحوّل الأحلام الصغيرة إلى أمنيات كبيرة؛ أن ينام الأبناء آمنين، وأن تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كانت المرأة هي التي تمنح الحياة، فلماذا يُترك صوتها خافتًا كلما ارتفع صوت الحرب؟
ولماذا نبحث عن حلول في ساحات القتال، بينما أعظم مصانع السلام كانت ولا تزال داخل البيوت؟
إن الأمم لا تبدأ من قصور الحكم، بل من حضن أم. فمنه يتعلم الطفل أول معنى للرحمة، وأول درس في احترام الآخر، وأول طريقة لحل الخلاف بالحوار لا بالخصام.
وحين تُربَّى الأجيال على أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن الكرامة لا تحتاج إلى كراهية، وأن قوة الإنسان ليست في قدرته على الإيذاء بل في قدرته على الإصلاح، عندها فقط يبدأ الوطن بالخروج من دائرة الحرب.
ربما لن تستطيع امرأة واحدة أن توقف حربًا، لكن ملايين النساء قادرات على تربية جيل لا يورثها لأبنائه. وهذا هو الفارق بين من يصنع معركةً تنتهي بعد سنوات، ومن يصنع إنسانًا يبني وطنًا لأجيال.
ولعل السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام ضمير كل يمني ليس: من انتصر؟
بل: أي انتصار يستحق أن تبكي من أجله أم، ويتيتم بسببه طفل، وتترمل فيه زوجة، ويكبر فيه جيل وهو لا يعرف من الوطن إلا رائحة البارود؟
فإذا اجتمع صوت الأمهات، وحكمة الزوجات، وأمل البنات، على كلمة واحدة تقول: "نريد الحياة" ، فلن يكون ذلك مجرد موقف عاطفي، بل سيكون بداية أعظم مشروع وطني؛ مشروع يعيد لليمن ما لا تستطيع الحروب أن تمنحه أبدًا وهو "الإنسان".
نعم عندما تقول المرأة: كفى.. يبدأ الوطن بالشفاء.
ودمتم سالمين.



















