لم تكن القبيلة في أصلها نقيضًا للعمران، بل كانت استجابةً لحاجة الإنسان إلى الحماية والتكافل وصون الحقوق في زمن لم تكن فيه الدولة قد استكملت وظائفها ومؤسساتها. ثم جاء الإسلام فلم يلغِ الروابط والأنساب، وإنما ارتقى بها من العصبية إلى الأخلاق، ومن نصرة القريب على الحق إلى نصرة الحق ولو على القريب، فأبقى مكارم القبيلة وأسقط جاهليتها.
ومع نشوء الدولة الحديثة، انتقلت وظائف الأمن والقضاء والإدارة والخدمات إلى المؤسسات العامة، فلم تعد القبيلة مؤهلة لأن تكون مصدرًا للسلطة أو معيارًا للحقوق أو أساسًا لتوزيع المناصب والثروة. غير أن بقايا الوظيفة القديمة ظلت حاضرة في بعض البيئات، فتحول الانتماء أحيانًا إلى وسيلة للنفوذ، وحماية المخطئ، وتعطيل القانون، وطلب الامتياز باسم النسب.
وفي المقابل، لم تنجح الدولة عندنا في أن تكون البديل العادل والكفء؛ فبقي المواطن بين قبيلة تجاوزت دورها، ودولة قصّرت في واجبها. ومن هنا نشأت المعضلة: لا القبيلة عادت قادرة على إدارة مجتمع حديث، ولا الدولة استطاعت أن تمنح الناس ما يغنيهم عن الاحتماء بالولاءات الضيقة.
ولذلك لا يكون الإصلاح بإلغاء القبيلة، ولا بتقديس الدولة، بل بإعادة كل منهما إلى موقعه الصحيح: تبقى القبيلة مجالًا لصلة الرحم والتكافل وحفظ الموروث، وتكون الدولة أداة للعدل والقانون والخدمة، ويكون المجتمع شريكًا في الرقابة والمساءلة وصناعة القرار.
ومن عدن يمكن أن تبدأ هذه المراجعة التاريخية.
فعدن لم تكن يومًا مدينة نسب واحد أو جماعة مغلقة، بل مدينة بحر وعمل وتجارة وتنوع، صنعت مكانتها من الانفتاح والكفاءة والتعايش. ولهذا فهي الأجدر بأن تقدم نموذجًا يتجاوز العصبيات القديمة، من غير أن يقطع المجتمع عن جذوره، ويقيم الدولة على وظيفتها الأخلاقية، من غير أن يحولها إلى سلطة مقدسة فوق الإنسان.
ويقوم هذا النموذج على مسارات مترابطة: توحيد الجنوبيين على مبادئ تمنع الإقصاء والغلبة، ومنح عدن إدارة خاصة بصلاحيات واضحة ومحاسبة صارمة، وتأسيس نواة مجتمعية نزيهة تبدأ من الممكن وتبرهن عليه، ثم بناء شراكات إقليمية متدرجة تقوم على المصالح المتبادلة لا التبعية.
ولن تبدأ هذه الرؤية بمؤتمر كبير، ولا بإعلان مكون جديد، ولا بإضافة أسماء إلى مشهد مكتظ بالزعامات، بل بعدد محدود من أصحاب النزاهة والكفاءة، يقبلون العمل قبل الظهور، والمسؤولية قبل الموقع، والشفافية قبل النفوذ.
تبدأ من حي واحد، ومشروع واحد، ونتيجة واحدة يراها الناس. فقد يكون إصلاح شارع، أو إنارة طريق، أو إعادة طفل إلى مدرسته، أو مساعدة مريض، أو نشر حساب واضح لكل ما جُمع وما صُرف؛ لكن قيمة هذه الأعمال ليست في حجمها وحده، بل في قدرتها على إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومن يتصدر لخدمته.
فالثقة لا تُستعاد بالخطب، والدولة لا تُبنى بالشعارات، والنهضة لا تبدأ من انتظار المنقذ. إنها تبدأ حين يصبح القانون أعلى من العصبية، والخدمة أسبق من الزعامة، والكفاءة أحق من القرابة، والإنسان غاية السلطة لا تابعًا لها.
عدن اليوم لا تحتاج إلى خطاب جديد بقدر حاجتها إلى نموذج جديد؛ نموذج يستبقي من القبيلة أخلاقها، ومن الدولة عدالتها، ومن المجتمع يقظته، ويجمع ذلك كله في تجربة قابلة للنجاح والاتساع.
فإذا استعادت عدن هذا المعنى، لم تعد مدينة تبحث عن خلاصها وحده، بل أصبحت نقطة انطلاق لمسار أوسع يعيد ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة، ويفتح للجنوب واليمن والمنطقة أفقًا أكثر عدلًا واتزانًا.
"نائب وزير الخارجية الأسبق"
ومع نشوء الدولة الحديثة، انتقلت وظائف الأمن والقضاء والإدارة والخدمات إلى المؤسسات العامة، فلم تعد القبيلة مؤهلة لأن تكون مصدرًا للسلطة أو معيارًا للحقوق أو أساسًا لتوزيع المناصب والثروة. غير أن بقايا الوظيفة القديمة ظلت حاضرة في بعض البيئات، فتحول الانتماء أحيانًا إلى وسيلة للنفوذ، وحماية المخطئ، وتعطيل القانون، وطلب الامتياز باسم النسب.
وفي المقابل، لم تنجح الدولة عندنا في أن تكون البديل العادل والكفء؛ فبقي المواطن بين قبيلة تجاوزت دورها، ودولة قصّرت في واجبها. ومن هنا نشأت المعضلة: لا القبيلة عادت قادرة على إدارة مجتمع حديث، ولا الدولة استطاعت أن تمنح الناس ما يغنيهم عن الاحتماء بالولاءات الضيقة.
ولذلك لا يكون الإصلاح بإلغاء القبيلة، ولا بتقديس الدولة، بل بإعادة كل منهما إلى موقعه الصحيح: تبقى القبيلة مجالًا لصلة الرحم والتكافل وحفظ الموروث، وتكون الدولة أداة للعدل والقانون والخدمة، ويكون المجتمع شريكًا في الرقابة والمساءلة وصناعة القرار.
ومن عدن يمكن أن تبدأ هذه المراجعة التاريخية.
فعدن لم تكن يومًا مدينة نسب واحد أو جماعة مغلقة، بل مدينة بحر وعمل وتجارة وتنوع، صنعت مكانتها من الانفتاح والكفاءة والتعايش. ولهذا فهي الأجدر بأن تقدم نموذجًا يتجاوز العصبيات القديمة، من غير أن يقطع المجتمع عن جذوره، ويقيم الدولة على وظيفتها الأخلاقية، من غير أن يحولها إلى سلطة مقدسة فوق الإنسان.
ويقوم هذا النموذج على مسارات مترابطة: توحيد الجنوبيين على مبادئ تمنع الإقصاء والغلبة، ومنح عدن إدارة خاصة بصلاحيات واضحة ومحاسبة صارمة، وتأسيس نواة مجتمعية نزيهة تبدأ من الممكن وتبرهن عليه، ثم بناء شراكات إقليمية متدرجة تقوم على المصالح المتبادلة لا التبعية.
ولن تبدأ هذه الرؤية بمؤتمر كبير، ولا بإعلان مكون جديد، ولا بإضافة أسماء إلى مشهد مكتظ بالزعامات، بل بعدد محدود من أصحاب النزاهة والكفاءة، يقبلون العمل قبل الظهور، والمسؤولية قبل الموقع، والشفافية قبل النفوذ.
تبدأ من حي واحد، ومشروع واحد، ونتيجة واحدة يراها الناس. فقد يكون إصلاح شارع، أو إنارة طريق، أو إعادة طفل إلى مدرسته، أو مساعدة مريض، أو نشر حساب واضح لكل ما جُمع وما صُرف؛ لكن قيمة هذه الأعمال ليست في حجمها وحده، بل في قدرتها على إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومن يتصدر لخدمته.
فالثقة لا تُستعاد بالخطب، والدولة لا تُبنى بالشعارات، والنهضة لا تبدأ من انتظار المنقذ. إنها تبدأ حين يصبح القانون أعلى من العصبية، والخدمة أسبق من الزعامة، والكفاءة أحق من القرابة، والإنسان غاية السلطة لا تابعًا لها.
عدن اليوم لا تحتاج إلى خطاب جديد بقدر حاجتها إلى نموذج جديد؛ نموذج يستبقي من القبيلة أخلاقها، ومن الدولة عدالتها، ومن المجتمع يقظته، ويجمع ذلك كله في تجربة قابلة للنجاح والاتساع.
فإذا استعادت عدن هذا المعنى، لم تعد مدينة تبحث عن خلاصها وحده، بل أصبحت نقطة انطلاق لمسار أوسع يعيد ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة، ويفتح للجنوب واليمن والمنطقة أفقًا أكثر عدلًا واتزانًا.
"نائب وزير الخارجية الأسبق"


















