تتجه الأنظار إلى مدينة إسطنبول التركية في ديسمبر المقبل، حيث تستضيف، خلال الفترة من 7 إلى 13 ديسمبر 2026، أعمال القمة العالمية الثامنة لحقوق الإنسان، في محطة دولية يبرز فيها الملف اليمني بوصفه أحد أبرز الملفات المطروحة للنقاش، مع تركيز على سبل وقف الحرب وإنهاء تداعيات صراع أنهك البلاد لأكثر من عقد.
القمة، التي تأتي في ظل استمرار الأزمة اليمنية وتشعب أبعادها السياسية والإنسانية والإقليمية، يُنتظر أن تجمع شخصيات وقيادات سياسية ودولية رفيعة المستوى، بينهم رؤساء حاليون وسابقون، ورؤساء حكومات، ووزراء خارجية، وأعضاء برلمانات، إلى جانب ممثلين عن عدد من الدول والمنظمات والجهات المعنية.
وتُعقد القمة تحت رعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والسيدة الأولى أمينة أردوغان، فيما تشير المعلومات المعلنة إلى مشاركة دولية واسعة، تشمل باكستان ونيبال والإكوادور ورومانيا والمكسيك وبوركينا فاسو وغينيا بيساو وموريشيوس وماليزيا وجزر المالديف وقطر والمملكة العربية السعودية واليمن والإمارات العربية المتحدة وتوغو وليبيريا وليبيا والعراق وبلجيكا وفنلندا وإسبانيا والبرتغال وفنزويلا وكرواتيا وأذربيجان ولبنان، إلى جانب توجيه دعوات إلى ممثلين عن دول أخرى.
اليمن.. حرب طال أمدها
بعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب، لم يعد السؤال اليمني مرتبطًا فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بات متشابكًا مع ملفات إنسانية واقتصادية وسياسية وأمنية، فضلًا عن التداعيات الإقليمية التي جعلت من الأزمة اليمنية واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدًا واستعصاءً على الحل.
فالحرب لم تستنزف الأرواح والموارد فحسب، وإنما أعادت تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وأنتجت واقعًا شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية.
ومن هنا تأتي أهمية أي لقاء دولي يبحث وقف الحرب، ليس باعتباره مناسبة جديدة لتبادل المواقف، وإنما باعتباره فرصة لاختبار مدى استعداد الأطراف المختلفة للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث الجاد عن تسوية قابلة للحياة.
هل تستطيع إسطنبول فتح نافذة للحل؟
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه أمام القمة ليس ما إذا كان المجتمع الدولي قد ناقش اليمن بما يكفي، فقد ناقشت عواصم ومنظمات دولية عديدة الحرب طوال السنوات الماضية، وإنما: هل يمكن أن تنتج هذه القمة مقاربة مختلفة قادرة على التعامل مع جذور الأزمة، وليس مع نتائجها فقط؟
فالسلام في اليمن لا يتوقف عند إعلان هدنة أو وقف مؤقت لإطلاق النار، على أهميته، وإنما يحتاج إلى معالجة الملفات التي راكمتها سنوات الحرب، وضمانات سياسية وأمنية، ومسار تفاوضي يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقيون، ويأخذ في الاعتبار طبيعة التعقيدات القائمة على الأرض.
كما أن أي تسوية مستدامة ستظل بحاجة إلى معالجة القضية الجنوبية، التي تمثل أحد الملفات السياسية الأساسية في المشهد اليمني، وعدم التعامل معها باعتبارها تفصيلًا يمكن تأجيله إلى ما بعد التسوية، إذا كان الهدف هو الوصول إلى سلام قابل للاستمرار.
مشاركة إقليمية تضع القمة أمام اختبار حقيقي
وجود دول إقليمية فاعلة في الملف اليمني ضمن المشاركين أو المدعوين يضيف إلى القمة أهمية خاصة، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات بشأن ما يمكن أن تخرج به من نتائج.
فاليمن لم يعد ملفًا داخليًا خالصًا، كما أن سنوات الحرب أثبتت أن أي مقاربة للحل لا تراعي تشابك المصالح الإقليمية والدولية ستظل عرضة للتعثر.
ولهذا، فإن نجاح أي مسار جديد لن يُقاس بعدد الشخصيات التي ستشارك في القمة، ولا بحجم البيانات التي ستصدر عنها، وإنما بما إذا كان المشاركون قادرين على تحويل النقاش السياسي والحقوقي إلى خطوات عملية تفضي إلى وقف الحرب، وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية شاملة.
حقوق الإنسان.. من العنوان إلى المضمون
وإذا كانت القمة تحمل عنوان حقوق الإنسان، فإن الملف اليمني يضع أمامها اختبارًا بالغ الأهمية: كيف يمكن تحويل المبادئ الحقوقية إلى إجراءات ملموسة على الأرض؟
فحقوق الإنسان في اليمن لا تنفصل عن الحق في الحياة والأمن، ولا عن حماية المدنيين، ولا عن توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، كما لا تنفصل عن حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم السياسي بعيدًا عن لغة الحرب والإكراه.
ومن هذه الزاوية، فإن وقف الحرب ينبغي ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لمسار أوسع يعيد الاعتبار للإنسان اليمني، ويضع حدًا لدائرة العنف، ويفتح الطريق أمام معالجة سياسية للقضايا التي ظلت مؤجلة أو جرى تجاوزها في مراحل مختلفة.
اختبار جديد للمجتمع الدولي
القمة العالمية الثامنة لحقوق الإنسان في إسطنبول تأتي في لحظة لم يعد فيها اليمن يحتمل مزيدًا من الانتظار. فكل عام إضافي من الحرب يعني مزيدًا من الخسائر الإنسانية والاقتصادية، ومزيدًا من التعقيدات التي تجعل الوصول إلى السلام أكثر صعوبة.
ولذلك، ستكون الأنظار متجهة إلى ما ستطرحه القمة بشأن اليمن، وما إذا كانت ستكتفي بإعادة توصيف الأزمة، أم ستتمكن من الدفع نحو مسار عملي يجمع الأطراف المؤثرة حول هدف واضح: وقف الحرب وفتح الطريق أمام حل سياسي يعالج أسباب الصراع، ويحترم إرادة اليمنيين وحقوقهم، ويضع حدًا لمعاناة طال أمدها.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون قيمة قمة إسطنبول في عدد المشاركين فيها، بقدر ما ستكون في قدرتها على الإجابة عن السؤال الذي ينتظره اليمنيون منذ سنوات: متى تتحول الدعوات إلى السلام من بيانات ومؤتمرات إلى خطوات حقيقية تنهي الحرب؟