الخميس, 01 أكتوبر 2026
114
تطل علينا ذكرى ثورة 14 أكتوبر المجيدة لتستحضر في أذهان اليمانيين واحدة من أعظم الملاحم الوطنية في التاريخ العربي المعاصر؛ الثورة التي انطلقت شرارتها الأولى من قمم جبال ردفان الأبية عام 1963م بزعامة الشهيد راجح بن غالب لبوزة، لتزلزل أركان الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وتعلن بدء مرحلة جديدة من الحرية والكرامة والكفاح المسلح للتحرر من الاستعمار البريطاني.
لم تكن ثورة أكتوبر مجرد طلقة اندلعت في الأعالي، بل كانت تتويجاً لنضال سياسي وتنظيمي وشعبي طويل تراكم عبر السنين.
وفي صدارة هؤلاء الرواد الذين حملوا مشعل التحرير، يبرز اسم مناضل وطني جسد رمزية هذه المرحلة وهو الرئيس الراحل قحطان محمد الشعبي، أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. لقد مثل قحطان بحنكته ورؤيته الصلبة رمزاً للقيادة الوطنية، وقاد الجبهة القومية بخطى ثابتة، وصولاً إلى ترؤسه وفد المفاوضات التاريخي في جنيف، حيث انتزع حق الشعب في الحرية والاستقلال بكفاءة واقتدار.
وإلى جانبه، يقف رفيق دربه ومهندس الثورة المنظم، الأستاذ فيصل عبد اللطيف الشعبي، الذي يُعد بحق العقل المدبر للعمل التنظيمي والسياسي للثورة. لقد استطاع فيصل عبد اللطيف صياغة الرؤية الأيديولوجية والتنظيمية التي جمعت الشتات الوطني، ووجهت طاقات الشباب والمناضلين نحو هدف واحد لا يسقط بالتقادم، وهو إجلاء المستعمر وبناء الدولة الوطنية الحديثة.
ولم تكن تلك المسيرة لتكتمل لولا الانخراط الشعبي العريض ودور عشرات القيادات والمناضلين الذين قدموا أرواحهم على مذبح الحرية، من قادة الجبهة القومية وجبهة التحرير وكل القوى الوطنية والقطاعات العمالية والطلابية والقبائل التي احتضنت الثوار ووفرت لهم الحماية والدعم. لقد التحم الفكر بالبندقية، والسياسة بالميدان، لتتحول كل مدينة وقرية إلى ثكنة مقاومة أربكت حسابات المحتل.
ولأن التاريخ نسيج متصل من البطولات والتضحيات، فلا يمكننا اليوم ونحن نستحضر أمجاد أكتوبر أن ننسى الأدوار الشجاعة والجسورة التي يجسدها أبناء الصبيحة ووادي شعب، الذين امتدت تضحياتهم من عهد الثورة الأولى إلى معارك اليوم في التصدي والمقاومة لمليشيا الحوثي؛ حيث قدم أبناء الصبيحة ووادي شعب قوافل من الشهداء الأبرار وجسدوا أروع صور الفداء والصمود دفاعاً عن الدين والوطن والعرض، مؤكدين أن روح أكتوبر المجيدة ما زالت تجري في عروق أحفاد أولئك الأبطال.
إن إشراقة 14 أكتوبر لم تكن محطة للتحرر فحسب، بل كانت جسراً عبرت منه الإرادة الوطنية نحو تحقيق الاستقلال الناجز في 30 نوفمبر 1967م، وتوحيد أكثر من 23 سلطنة وإمارة في كيان وطني واحد.
إن استحضار سيرة هؤلاء العظام وتضحيات أبطال الصبيحة والوطن اليوم ليس مجرد سرد لتاريخ مضى، بل هو استلهام لقيم التضحية والسيادة الوطنية التي تحتاجها الأجيال المتعاقبة. ستظل أسماء قحطان وفيصل وكل شهداء ومناضلي أكتوبر والمقاومة أعلاماً شامخة في ذاكرة الوطن، تشهد على أن إرادة الشعوب التائقة للحرية لا تقهر مهما بلغت التضحيات.