ليست مأساة اليمن، ولا تعثر الجنوب، ولا معاناة عدن، مجرد نتائج لحرب طويلة أو صراع على السلطة، بل ثمرة خلل أعمق أصاب الإنسان حين اختلط عليه الواجب بالمصلحة، والحق بالانتماء، والأمانة بالرغبة في النفوذ.

ففي اليمن تآكلت الدولة حين تحولت من مسؤولية عامة إلى غنيمة تتقاسمها القوى، وتقدمت الولاءات الحزبية والقبلية والمناطقية على القانون والعدل، حتى صار الوطن اسمًا كبيرًا تُدار تحته مصالح صغيرة.

وفي الجنوب رُفعت قضية عادلة، لكن عدالة القضية وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى عدل بين أهلها، وشراكة في القرار، وصيانة للحقوق، ورفض لإعادة إنتاج الظلم والاحتكار بأسماء ورايات جديدة.

أما عدن، فهي الامتحان الأقرب والأصدق؛ لأن الشعارات الكبرى تفقد معناها أمام مدينة يعاني أهلها من انقطاع الكهرباء والماء، وضعف الخدمات، وضياع المال العام، وتعدد السلطات، بينما يتنافس الجميع على الحديث باسمها.

فالأوطان لا تضيع أولًا عند الحدود، بل في الضمائر؛ حين يُبرر الظلم باسم اليمن، ويُحمى الفاسد باسم الجنوب، وتُترك عدن باسم انشغال القوى بالقضايا الكبرى.

والإنسان، مهما تعددت انتماءاته، سيأتي إلى الله فردًا؛ لا تحميه دولة، ولا تبرئه قضية، ولا تسقط عنه المسؤولية طاعة حزب أو قبيلة أو جماعة.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

هل نبحث فقط عمّن يحكم اليمن، ومن يمثل الجنوب، ومن يسيطر على عدن؟ أم نبحث عمّن يؤدي الأمانة، ويقيم العدل، ويحفظ حقوق الناس؟

فإذا لم يبدأ الإصلاح من الضمير، ثم ينتقل إلى الأسرة والمجتمع والسلطة، فلن تصنع الأسماء الجديدة إلا المأساة القديمة بوجوه مختلفة.

إن خلاص اليمن يبدأ باستعادة معنى الدولة، وخلاص الجنوب يبدأ بتحويل القضية إلى نموذج للعدل، وخلاص عدن يبدأ بإعادة الأمانة إلى تفاصيل حياة أهلها.