يقول الأديب والفيلسوف الروسي (ديستوفسكي):"الإنسان يستطيع أن يتحمل أي عذاب إلا عذاب تأنيب الضمير" وهو ما يعني بأن من لا يعانون من عذاب الضمير قد فقدوا الإحساس بالمسؤولية الوطنية والإنسانية والأخلاقية؛ ويصير ذلك أعظم عندما يكون الأمر متعلقا بمصير الشعب وحريته ومستقبله.

ومع ذلك يبقى باب المراجعة والتراجع مفتوحا دوما لمن تصحى ضمائرهم - أو عندما يكتشفون ما وقعوا فيه من مكر وخداع وتضليل - ويتداركون مسؤوليتهم نحو وطنهم وشعبهم وفي الوقت المناسب وقبل فوات الآون.

لتتقدم عندهم مصالح شعبهم العليا على كل المصالح الخاصة والمنافع المؤقتة؛ وهنا تتجسد الوطنية الحقة وبأروع صور الوفاء والإنتماء.

فالجنوب اليوم يمر بمرحلة دقيقة وحساسة وخطيرة للغاية؛ وتتعرض قضيته الوطنية لهجمة شرسة وواسعة النطاق؛ وبأدوات ووسائل متعددة ومن قبل أكثر من طرف وبعناوين مختلفة ولمشروع واحد يجمعها؛ وهو منع الجنوب وبكل الطرق المتاحة من الوصول إلى محطة استعادة دولته الوطنية المستقلة.

فالوطنية اليوم لم تعد برامج نظرية توضع ولا شعارات ترفع؛ بل أصبحت مقياسا للأفعال السياسية والوطنية الملموسة التي تنتصر للجنوب وتدافع عن حريته وكرامته ومستقبل أجياله.

ولذلك فالجميع معنيون بمغادرة الحالة الراهنة التي لا مجال فيها للمساومات على قضيته؛ أو القبول بأية مشاريع تتناقض مع جوهر مشروعه الوطني؛ أو تنال من أهدافه الوطنية الكبرى وفي مقدمتها حقه في استعادة دولته الحرة المستقلة.

ولعله من المفيد التذكير هنا بخطورة بقاء البعض في مربعات التمترس ضد الجنوبي الآخر وبأي شكل أو صفة كانت؛ ومهما كانت أيضا المبررات التي تسقط أمام الخطر المحدق بالجنوب اليوم.

فالتمترس السياسي سيقود إلى التخندق القاتل؛ وهو طريق الذهاب إلى جحيم الفتنة بين الجنوبيين التي يراد للجنوب أن يقع فيها؛ وهو ما تعمل عليه كل الأطراف المعادية وبكل وسائل المكر والغدر.

فالمطلوب اليوم وبإلحاح شديد هو العمل على وحدة الصف الوطني الجنوبي وأن يقدم الجميع ما عليهم من واجب وتنازلات تقرب الجميع من الجميع؛ وبما يحصن الجنوب من مكائد وشرور ودسائس أعدائه وما أكثرها.

كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي الحذر والحرص على تجنيب الجنوب المزيد من المخاطر والتحديات.

وعدم إقحامه في حروب وصراعات الآخرين التي لا تخدم قضيته الوطنية؛ ولا تعزز وتحمي حدوده ومصالحه الوطنية وتصون تضحياته؛ أو أن ترتد سلبا على مستقبله مهما كانت الشعارات التي قد ينخدع بها بعض القيادات الجنوبية.