في الحروب، ليس بالضرورة أن تكون المنتصر حتى تمنع خصمك من إعلان انتصاره، وهذا تحديدًا ما يحدث مع إيران.

‏لا أحد يستطيع بجدية أن يقول إن إيران انتصرت عسكريًا على الولايات المتحدة وإسرائيل. الفارق في القوة العسكرية لا يسمح بهذه القراءة أصلًا. إيران تلقت ضربات موجعة، وخسرت قدرات ومواقع مهمة؛ لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن ليست في حجم ما دمرته.

المشكلة في ما لم تستطع تحقيقه بعد كل هذا التدمير، فالتفوق العسكري شيء، وتحويله إلى انتصار سياسي شيء آخر تمامًا، واشنطن تستطيع أن تضرب.

لكن هل استطاعت أن تفرض؟ هنا تبدأ الحكاية. إيران لم تستطع منافسة أمريكا في السماء، ولذلك لم تلعب اللعبة الأمريكية نفسها.

بدلًا من محاولة هزيمة القوة العظمى عسكريًا، بحثت عن المكان الذي تستطيع فيه إزعاجها سياسيًا واقتصاديًا.

ووجدت هرمز، المضيق الذي لا يحتاج إلى صاروخ إيراني واحد كي يتحول إلى ورقة ضغط عالمية.

يكفي أن يبقى مفتوحًا بشروط، أو مغلقًا بشروط، حتى ترتفع أسعار النفط، وتتوتر الأسواق، ويبدأ حلفاء واشنطن في حساب تكلفة الحرب بطريقة مختلفة، وهنا تغير السؤال، لم يعد: كم تستطيع أمريكا أن تدمر في إيران؟

‏و لكن: كم تستطيع أمريكا أن تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا مقابل استمرار الحرب؟

وهذا بالضبط ما يجعل إيران خطرة في التفاوض، رغم أنها ليست الأقوى في الميدان.

‏إيران لا تحتاج إلى الانتصار، يكفيها ألا تُجبر على الاستسلام، يكفيها أن تمنع واشنطن من تحويل تفوقها العسكري إلى اتفاق أمريكي الصياغة، أمريكي الشروط، وأمريكي التفسير، وهنا تبدأ المفارقة.

‏الولايات المتحدة دخلت الحرب بمنطق: سنضرب ثم نفاوض.

وإيران تحاول أن تجعل النتيجة: ضربتمونا… والآن عليكم أن تفاوضوا.

وبين الجملتين تقع كل المعركة. أما "الشقيقة الكبرى" … فهذه قصة أخرى، ففي مكان آخر من المنطقة، كانت هناك قناعة بأن النفوذ وحده يكفي لإدارة الإقليم.

‏تحالفات كثيرة.. بيانات أكثر.. وتصريحات تجعل المرء يتخيل أن المنطقة كلها غرفة عمليات واحدة… وأن المفتاح في جيب الشقيقة الكبرى.

ثم جاءت الحرب، فاكتشفنا أن هناك فرقًا بسيطًا جدًا بين النفوذ على الورق والقدرة في لحظة الاختبار، فالتحالف الذي لا تعرف ماذا سيفعل عندما تبدأ الصواريخ بالوصول… ليس بالضرورة تحالفًا.

‏والدولة التي تستطيع إصدار البيان، لكنها لا تستطيع تغيير مسار الأحداث… ليست بالضرورة قائدة للمشهد، وهنا نستطيع أن نفهم بعض “درر الشقيقة الكبرى” التي كانت تبدو عظيمة في زمن الهدوء، ثم أصبحت أكثر تواضعًا عندما بدأ الامتحان الحقيقي.

‏السياسة الدولية لا تعمل بمنطق: أنا الأكبر… إذن أنا الأقدر؛ بل بمنطق أكثر قسوة: ماذا تستطيع أن تفعل عندما لا تسير الأمور كما تريد؟ وهذا ما كشفته الحرب.

‏إيران، رغم كل ما أصابها، ما زالت تملك أوراقًا. والولايات المتحدة، رغم كل قوتها، ما زالت تحتاج إلى اتفاق.

‏أما المنطقة العربية، فقد اكتشفت مرة أخرى أن امتلاك المال والنفوذ والعلاقات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة النتيجة.

‏ولهذا لا أسأل: من انتصر؟

‏السؤال الأهم: من منع الآخر من تحقيق أهدافه؟.. أمريكا نجحت عسكريًا.. إيران لم تنتصر عسكريًا.

‏لكن واشنطن لم تستطع حتى الآن أن تجعل هذا التفوق العسكري يتحول إلى استسلام سياسي إيراني، وهنا بالضبط تتعقد الصورة؛ لأن الحرب لا تنتهي عندما تتوقف الطائرات.

‏تنتهي عندما يوقّع الطرفان على نهاية يستطيع كل منهما أن يشرح لشعبه لماذا لم يخسر، وربما لهذا تبدو طاولة التفاوض الآن أهم من ساحة المعركة.

‏فالطائرات تستطيع أن تدمر، والصواريخ تستطيع أن ترد.

‏لكن في النهاية، هناك من يملك القوة لبدء الحرب، وهناك من يملك القدرة على جعل إنهائها مكلفًا، وحتى هذه اللحظة، إيران لم تنتصر.

‏لكنها فعلت شيئًا أكثر إزعاجًا لواشنطن، منعتها من تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي.