​لا أدري من أين أبدأ هذا المقال، لكنني أبدأه من واقع الحياة، من تلك الظروف الصعبة التي تأتي أحيانا محمّلة بالمتاعب والهموم، حتى يصبح النوم ثقيلًا، ويشعر الإنسان وكأن فوق رأسه جبلًا من التفكير.

ولست وحدي من يمر بمثل هذه الظروف؛ فلكل إنسان في هذه الحياة ما يخفيه من هموم، ولكل واحد قصة لا يبوح بها إلا لمن يثق بهم، في ظرف خاص أثقلني كثيرا، وجدتني أفتح قائمة الأسماء في هاتفي، أبحث بعيني عمن يمكن أن أطرق بابه، لا بحثا عن مصلحة بقدر ما كنت أبحث عن إنسان أستطيع أن أضع عنده شيئا من الحمل الذي أثقلني.

طرقت باب ثلاثة من الأصدقاء، من بين الأسماء بهاتفي فإذا بالصمت هو الجواب، حتى إنني لم أحظ برد السلام. عدت بعدها إلى هاتفي، أقلب أسماءه وصوره وذاكرته، وكأنني أبحث بين السنوات عن وجهٍ يمكن أن أجد عنده شيئًا من الأنس في تلك اللحظة الصعبة، وهناك توقفت عيناي عند صورة جمعتني بالأستاذ والإعلامي الكبير عادل اليافعي، ابن يافع الكرم والجود، قلت في نفسي.. لماذا لا أتصل به وكانت تلك المرة الأولى التي أتصل فيها به.

رن الهاتف، ثم جاء صوته مرحبا ومبادرًا بالود. تحدثنا قليلًا، وتعارفنا أكثر، ثم فتحت له شيئًا من ظروف طارى، فإذا به يقولها ببساطة وصدق..أبشر، يدي بيدك، أنت زميل وأخ عزيز.

قد تبدو الكلمات بسيطة، لكنها في لحظة الانكسار قد تكون أثمن من الكثير. كان صوته يحمل ترحابا وفرحة باتصالي، وكأنني ضيف دخل مجلسه، لا مجرد شخص يتحدث معه عبر الهاتف.

ومنذ ذلك الاتصال..هو الذي ظل يتواصل معي، يخفف عني، ويقول كلمات قليلة لكنها كانت تترك أثرًا كبيرا في نفسي. لم يكن يعلم ربما حجم ما أحدثته كلماته من فرق، لكنه كان يعرف شيئًا أهم.. كيف يكون الإنسان إنسانًا حين يحتاج إليه إنسان آخر.

وهنا أخذني موقف عادل إلى ذاكرة أوسع؛ إلى يافع وأهلها، تلك الأرض التي ارتبط اسمها عبر التاريخ بالشجاعة والكرم والنخوة والتآزر، وبأخلاق الرجال في المجالس والمواقف.

فأبناء يافع ليسوا أبناء لحظة، وإنما امتداد لتاريخ طويل من المواقف التي تتناقلها الذاكرة جيلاً بعد جيل. فيهم كرم الضيافة، وحسن القول، وإغاثة المحتاج، وصون الجار، والعفو عند المقدرة، والوقوف مع الإنسان في وقت الشدة قبل الرخاء.
وفي مختلف مناحي الحياة، ظل التعاون والتآزر من القيم التي تجمع أبناء يافع؛ يتكاتفون في الملمات، ويتقدمون حين يحتاج الموقف إلى الرجال، ويجعلون من روابط الأخوة والمجتمع قوة تسند الفرد حين تثقل عليه الحياة.

وعادل اليافعي، في ذلك الموقف الذي عشته، لم يكن بعيدًا عن هذا الإرث؛ كان صورة من صور تلك القيم التي توارثها أبناء يافع. فهو ابن بيئةٍ تعلم الرجل أن يكون كبيرًا بأخلاقه قبل مكانته، وأن يكون حاضرًا في المواقف قبل الكلمات.

يافع التي عاشت بين الجبال، وصاغت من صعوبة الحياة صلابة الرجال، لها في المجد حكايات، وفي المواقف صفحات، وفي الكرم أبواب لا تغلق. ومن عرف أبناءها في المجالس عرف معنى أن يكون للترحاب قيمة، وللكلمة وزن، وللضيف مكان، وللصديق حق.

ولذلك، حين قال لي عادل..أبشر، يدي بيدك.. لم أسمع مجرد كلمات عابرة؛ بل شعرت أنني أمام صورة من ذلك الموروث الجميل.. الوقوف مع الآخر حين تضيق به الدنيا، ومد اليد حين يحتاجها، وجبر الخاطر دون سؤال.
وهنا أدركت أن الصديق الحقيقي لا يعرف في أوقات الرخاء، وإنما يظهر معدنه عندما تضيق بك الدنيا، وحين تحتاج إلى كلمة صادقة تقول لك.. أنا إلى جانبك.

شكرا لعادل اليافعي ولك من ساندة ليس فقط لأنه قال لي أبشر وإنما لأنه مد جسور التواصل بقمم يعرفها لأعاد إلي شيئا من الثقة بأن الدنيا ما زالت بخير، وأن بين الناس رجالًا لا تتغير قيمهم بتغير الظروف.
عادل اليافعي ليس مجرد إعلامي وزميل؛ بل هو في نظري سفير للنوايا الحسنة، وسفير لقيم أبناء يافع في كل مكان.

والتحية من القلب إلى يافع وأهلها، إلى كل رجلٍ حمل من إرثها الكرم والنخوة والوفاء، وإلى كل من يجعل من حضوره سندًا، ومن كلمته بلسمًا، ومن أخلاقه رسالة.
وفي زمن كثرت فيه الأبواب المغلقة، تبقى بعض المواقف أبوابًا مفتوحة في وجه الإنسان، وتبقى قيمة الرجال فيما يفعلونه عندما يحتاجهم الآخرون.