> فخر العزب:

تعكس انطلاقة العام الدراسي الجديد في اليمن، صورة قاتمة لواقع آلاف العائلات العاجزة عن تأمين رسومٍ دراسية لأبنائها تفوق قدرتها المادية، وسط التفاف بعض المدارس الأهلية والخاصة على القرارت الرسمية، وعجزٍ حكومي عن تفعيل مجانية التعليم.

يبدأ أكثر من 2.7 مليون طالب عامهم الدراسي الجديد (2026-2027) في مختلف المدارس الحكومية والأهلية والخاصة في المناطق المحررة، وسط تحدياتٍ بالغة التعقيد تواجه المنظومة التعليمية.

ويتزامن انطلاق العام الدراسي مع الارتفاع القياسي في أجور التسجيل والرسوم المدرسية التي تتجاوز القدرة المالية لغالبية الأسر اليمنية، ما ينذر بتفاقم معدلات التسرب المدرسي، ولا سيّما بين الفتيات.

  • رسوم أعلى من الرواتب
ومع بدء العام الدراسي الجديد، تتفاقم الأزمة المعيشية لدى اليمنيين بالتزامن مع حالة الانهيار شبه التام التي يعانيها قطاع التعليم في مناطق الحكومة الشرعية. فالبنية التحتية المدمَّرة وعجز المدارس الحكومية عن استيعاب الزيادة الطلابية الهائلة، إذ تتكدس الفصول بأكثر من 100 طالب أحيانًا، دفع الأسر نحو خيار التعليم الخاص، بحثًا عن بديل ينقذ مستقبل أبنائها، متجاوزةً بذلك مخاوفها من الأعباء المالية. وعند مقارنة هذه الأعباء بالواقع المعيشي المتردّي، يظهر جليًّا حجم المأساة، إذ إنّ الرسوم الدراسية لطالب واحد تساوي ما يقارب رواتب ثلاثة أشهر للموظف الحكومي. هذا الواقع القاسي يدفع آلاف الأسر إلى خيارات الاستدانة أو بيع المقتنيات الثمينة لضمان بقاء الأبناء على مقاعد الدراسة. ولا يتوقف حجم الأزمة عند هذا الحد، بل تنذر المؤشرات الراهنة بارتفاع مقلق في معدلات التسرب المدرسي، إذ يواجه كثير من الطلاب خطر الانقطاع المفاجئ نتيجة عجز أسرهم عن دفع أقساط المدارس الخاصة.

وكان محافظ تعز قد أصدر في نوفمبر الماضي القرار رقم (137) لسنة 2025، القاضي بتحديد وتنظيم الرسوم الدراسية في مدارس التعليم الأهلي والخاص بالمحافظة. ونصّ القرار على تصنيف المدارس الخاصة والأهلية إلى ثلاثة مستويات أساسية، استنادًا إلى تقييم ميداني شامل أجرته لجان متخصّصة من مكتب التربية والتعليم، وشمل التقييم البنية التحتية والإمكانات التعليمية والخدمية، حيث ضمّ المستوى الأول 25 مدرسة وفرعًا، وجاء المستوى الثاني بواقع 75 مدرسة وفرعًا، فيما شمل المستوى الثالث 105 مدارس وفروعًا. ووفقًا للمحدّدات الرسمية للقرار، أُقرّت سقوف واضحة للرسوم السنوية لمرحلتَي التعليم الأساسي والثانوي، مع تأكيد إلزامية التقيّد بها، وحظر فرض أيّ زيادات أو جبايات إضافية من دون موافقة خطية مسبقة من مكتب التربية والتعليم، مع التلويح بأنّ أيّ تجاوز لهذه التعليمات يُعرّض إدارات المدارس للمساءلة القانونية والإجراءات العقابية.

  • التفات على القرارات
أمام إحدى المدارس الخاصة في تعز، يقف الأربعيني مكرم غالب منكسرًا، يمسك يدَي طفليه اللذين اصطحبهما لتسجيلهما، ليصطدم بواقع مرير بعد أن تحايلت إدارة المدرسة على قرار المحافظ القاضي بتحديد سقف الرسوم الدراسية. فالمبلغ المطلوب فاق التوقعات، ودفع الأب إلى حافة اليأس وهو يبحث عن بدائل مستحيلة. يقول مكرم: "جئت لتسجيل طفليَّ في المدرسة، ففوجئتُ بمبلغ يفوق قدرتي المالية.
لقد التفّوا على قرار المحافظ، واكتفوا بطلب الرقم المحدد للرسوم ظاهريًا، ليفرضوا في المقابل مبالغ طائلة تحت مسمّيات جانبية مثل بدل الكتب والأنشطة وزيّ مدرسي إجباري يُشتَرى حصرًا عبر المدرسة" ويضيف: "لا خيار أمامي سوى البحث عن مدرسة حكومية، لكن المشكلة في أنّ أقرب مدرسة حكومية تبعد مسافة طويلة عن منزلنا، ما يعني تكبّد مصاريف نقل باهظة".
وتقول أم تامر: "لديّ خمسة أولاد، وبسبب رسوم التسجيل الباهظة في المدارس اضطررتُ إلى بيع بعض الحلي من أجل تسجيل الولدين، فيما أوقفت دراسة البنات الثلاث، ما يشعرني وكأنّني دفنتهنّ بيديّ".
في السياق، يقول التربوي عبدالسلام الأثوري: "التعليم صار عبئًا على الأسر اليمنية يُضاف إلى غلاء المعيشة والوضع الاقتصادي الكارثي، وقد بات التعليم عبارة عن استثمار مالي، كما صار حكرًا على الأغنياء دون الفقراء".
وتعكس معاناة مكرم وأم تامر وشهادة الأثوري صورة قاتمة لواقع آلاف العائلات اليمنية التي ترى أنّ مؤسسات التعليم تتحوّل من منارات للعلم إلى أسواق مالية تفرض "إتاوات" ورسومًا تفوق القدرة المالية للمواطن العادي، وسط عجز حكومي عن ضبط هذه الفوضى وتفعيل مبدأ مجانية التعليم.

  • المدارس تشتكي كذلك
وفي الجهة المقابلة، تدافع إدارات المدارس الخاصة عن خطوتها، معتبرةً إيّاها "تدبيرًا قسريًا" أمْلته الضرورة القاهرة. وفي السياق ذاته، تؤكّد مديرة ومالكة إحدى المدارس الخاصة في تعز، ثريا الحامدي، أنّ "القطاع التعليمي الخاص يقف اليوم عند مفترق طرق حرج نتيجة تقاطع الأزمة الاقتصادية الخانقة مع القرارات التنظيمية الصادرة عن السلطة المحلية"، مضيفةً أنّ "قرار فرض سقف محدّد للرسوم الدراسية وإلزام المدارس الأهلية به، وإنْ بدا في ظاهره استجابة للظروف المعيشية الصعبة، إلا أنّه يغفل جانبًا جوهريًا من معادلة الاستدامة التشغيلية لهذه المؤسسات".
وتشير الحامدي إلى أنّ "ضبط مخرجات العملية المادية للمدارس الأهلية بمعزل عن التحكم في مدخلاتها يضع الإدارات التعليمية في مواجهة مباشرة مع عجز مالي محقّق" مبيّنةً أنّه "كان الأجدر بالجهات المعنية فرض رقابة صارمة على المحركات الأساسية لارتفاع التكلفة قبل تقييد الرسوم الدراسية، وفي مقدمتها إيجارات العقارات الخيالية وفواتير الكهرباء الباهظة".

وتتابع الحامدي: "يتكامل ذلك مع منظومة من التكاليف الإدارية والرسوم الحكومية والمحلية، مثل رسوم المجاري الصحية والنظافة والخدمات البلدية، والرسوم الرقابية والضريبية المفروضة على الطلاب، فضلاً عن رسوم الدعاية والإعلام والتراخيص السنوية وتكاليف النقل" مؤكدةً أنّ "إغفال هذه التكاليف المتصاعدة مع تقييد الدخل الوحيد للمدرسة يمثل خللاً يهدّد جودة البيئة التعليمية واستمراريتها".

ويعيش قطاع التعليم في اليمن أزمة حادّة؛ ففي مناطق سيطرة الحوثيين، حُرم المعلمون من رواتبهم المنتظمة منذ سبتمبر 2016، مكتفين بحوافز مالية زهيدة تُصرَف على فترات متقطعة. وعلى الطرف المقابل، لا تبدو حال المعلمين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الشرعية أفضل حالاً، إذ يواجهون تحديات معيشية تتجسد في تدهور القيمة الشرائية لرواتبهم، لتتراجع إلى أقل من 70 دولارًا أميركيًا، فضلًا عن معاناتهم المستمرة من تأخر صرفها. ويواجه قطاع التعليم كذلك أزمة هيكلية خانقة تُنذر بانهيار تدريجي في الكوادر التعليمية، في ظلّ تفاقم أزمة الشيخوخة. فقد بلغ عدد كبير من المعلمين والمعلمات سنّ التقاعد القانوني، وسط عجز تامّ عن ضخّ دماء جديدة. ويأتي هذا الاستنزاف البشري في ظلّ توقف التوظيف الحكومي منذ نحو 14 عامًا.

وتُعدّ مديرية مشرعة وحدنان في تعز نموذجًا لهذه الظاهرة. وكشف مدير مكتب التربية والتعليم في المديرية، عبدالعالم الشيخ، أنّ "إجمالي عدد المعلمين في المديرية يصل إلى 719 معلماً" لافتًا إلى أنّ "نحو 161 منهم قد بلغوا سن التقاعد القانوني أو باتوا على بُعد أيام أو أشهر قليلة من بلوغه" ويوضح أنّ "هذا التأثير يضرب المدارس بقوة، إذ تراوح نسبة المعلمين المتقاعدين في أغلب المدارس ما بين 25 و50 % من إجمالي عدد المدرّسين" عازياً السبب الأساسي لهذا الخلل إلى "توقف توظيف دماء جديدة نتيجة الظروف العصيبة في البلاد" ويؤكّد أنّ "شبح التقاعد ليس التهديد الوحيد الذي يواجه العملية التعليمية، بل تتفاقم الأزمة بفعل حالات الوفاة بين المعلمين، فضلاً عن الإصابة بالأمراض المزمنة والنفسية التي تعيق الكوادر التعليمية عن أداء مهامها".

  • أزمة شيخوخة
ولتجاوز هذه المعضلة، يطرح الشيخ رؤيته للمعالجات الحكومية الضرورية، والمتمثلة في "تفعيل صندوق التأمينات والهيئة العامة للتأمينات لإحالة المتقاعدين إليها وصرف مستحقاتهم، بالتوازي مع الشروع في إحلال معلمين جُدد" ويشدّد على ضرورة "ألا يتجاوز تاريخ تخرّج المعلمين الجُدد خمسة أعوام، تحاشيًا لامتهانهم مهنًا أخرى طوال فترة انتظارهم، والتي تتطلب عند إعادتهم إلى المدرسة برامج تأهيل وتدريب مهني مُضنية ومُكلفة في ظلّ شحّ الموارد الراهنة".
"العربي الجديد"