الأربعاء, 23 سبتمبر 2026
117
عدن ليست مجرد مدينة تقع عند طرف البحر ولا مساحة جغرافية تتغير ملامحها كلما تغير القادمون إليها. عدن مدينة صنعتها الجغرافيا والتاريخ والميناء والتجارة والهجرة والتعليم والقانون والانفتاح على العالم. ولهذا فإن الحديث عن عدن لا يمكن أن ينفصل عن شخصيتها المدنية التي تبلورت عبر زمن طويل وأصبحت جزءا من ذاكرتها وهويتها.
لقد كانت عدن على امتداد تاريخها موئلًا وموطئًا لجماعات وأفراد قدموا إليها من بيئات محلية مختلفة ومن بلدان متعددة. مر بها السياسي والتاجر والشاعر والمثقف والبحار والمهاجر والمستعمر وشهدت حروبا وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متعاقبة. واستطاعت المدينة في مراحل كثيرة أن تمنح القادمين إليها مساحة للحياة والعمل والتعبير وأن تفتح أمامهم أبوابا لم تكن متاحة لهم في بيئاتهم الأولى.
وهذه واحدة من أعظم خصال عدن.
فكثير ممن قدموا إليها لم يكونوا قادرين على تجاوز المكانة الاجتماعية أو القبلية التي كانت تحكم مواقعهم في بيئاتهم الأصلية. لكن عدن منحتهم بيئة مختلفة. فيها أصبح الإنسان قادرا على أن يقدم نفسه من خلال عمله ومهنته وقدرته وعلاقاته المدنية وأن يصنع لنفسه مكانًا جديدًا. وقد وفرت المدينة لعدد كبير من القادمين إليها فرصًا اقتصادية واجتماعية وتعليمية تجاوزت أحيانا ما كانوا يتوقعونه لأنفسهم.
لكن الانفتاح لا يعني أن المدينة بلا شخصية..وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين التنوع بوصفه قيمة حضارية وبين محاولة إعادة تشكيل المدينة وفقا لأعراف وثقافات البيئات التي جاء منها بعض سكانها. فالتنوع يثري المدينة عندما يحترم خصوصيتها أما حين يتحول إلى وسيلة لإزاحة شخصيتها الأصلية وإحلال أنماط اجتماعية أخرى محلها فإنه يفقد معناه الحضاري ويتحول إلى عملية تغيير لطبيعة المكان.
عدن مدينة مدنية قبل أن تكون مجرد تجمع سكاني. وهذه المدنية ليست شعارًا مستحدثًا وإنما نتيجة طبيعية لتاريخها كميناء مفتوح ومركز تجاري وثقافي وقانوني ارتبط بالعالم أكثر مما ارتبط بعزلة المكان. ولذلك فإن الأعراف القبلية أو التراتبيات الاجتماعية التي قد تكون جزءا من تكوين بيئات أخرى لا يمكن تحويلها إلى قاعدة تحكم مدينة نشأت على منطق مختلف..ليس المقصود بذلك إقصاء القادم من خارج عدن ولا الانتقاص من حقه في السكن والعمل والحياة فيها. عدن كانت وستظل قادرة على استيعاب الجميع. لكن الاستقرار في مدينة ما لا يمنح الإنسان حق إعادة صياغتها على صورة المكان الذي جاء منه..من حق القادم أن يحافظ على ثقافته وتراثه ما دام ذلك يتم في إطار احترام القانون وخصوصية المجتمع المحلي. ومن حق عدن في المقابل أن تحافظ على ثقافتها وذاكرتها وطبيعتها المدنية وأن ترفض تحويلها إلى مجموعات مغلقة تتجاور داخلها كل جماعة بثقافتها الخاصة دون رابط جامع.
المشكلة ليست في أن يتنوع المجتمع العدني. المشكلة تبدأ عندما يصبح التنوع ذريعة لفرض ثقافة على أخرى أو عندما تتحول الكثرة العددية أو النفوذ الاجتماعي أو السياسي والاقتصادي إلى وسيلة لإعادة تعريف المدينة وإلغاء ملامحها التاريخية..عدن لا تحتاج إلى أن تكون نسخة من أي مدينة أخرى. كما أنها ليست مشروعا مفتوحًا لإعادة هندستها اجتماعيا كلما تغيرت موازين القوى فيها.
إن حماية عدن لا تعني الانغلاق عليها وإنما تعني حماية القاعدة التي جعلتها قادرة على استقبال الآخرين دون أن تفقد ذاتها. فالمدينة التي تستقبل الجميع يجب أن يبقى لها حق أصيل في أن تحدد طبيعة شخصيتها العامة وأن تصون تراثها العمراني والثقافي وأن تحافظ على نمطها المدني وأن تجعل القانون هو المرجعية المشتركة بين سكانه..لقد أعطت عدن الكثير لكل من جاء إليها. ومن الوفاء لهذه المدينة أن يرد القادم إليها شيئا من هذا الجميل باحترامها..عدن ليست أرضا بلا ذاكرة.
وليست مساحة محايدة يستطيع كل وافد أن يضيف إليها ما يشاء ثم يمحو ما لا ينسجم مع ثقافته..هي مدينة لها تاريخها وشخصيتها وحضارتها وطبيعتها المدنية..ومن يحب عدن لا يحاول أن يجعلها شبيهة بمكان آخر..بل يترك لها حقها في أن تبقى عدن.