يبدو أننا دخلنا زمنًا عجيبًا، خصوصًا في اليمن وعدن؛ زمنًا أصبح فيه الهاتف الذكي قادرًا على منح صاحبه ألقابًا لم تمنحها له جامعة، ولا مهنة، ولا سنوات من الخبرة.

يمسك الهاتف بيد، ويكتب كلمتين على مواقع التواصل، ثم يحضر ورشتين أو ثلاثًا… وفجأة: إعلامي، حقوقي، مؤثر، مناضل ومناضلة، وصانع محتوى… وربما إعلامي مخضرم أيضًا! يا جماعة… بالراحة علينا!

مش كل من مسك هاتفًا وكتب كلمتين، وحضر ورشتين، صار إعلاميًا وحقوقيًا؛ فالورشة تدريب وليست جامعة، وشهادة المشاركة تثبت أنك حضرت أو أكملت تدريبًا، لكنها لا تمنحك تاريخًا مهنيًا.

والصحافة عندما تسألك: من أي جامعة تخرجت؟ ماذا درست؟ أين مارست المهنة؟ ماذا كتبت؟ وماذا قدمت؟ لا تستطيع أن تجيبها بعدد متابعيك؛ ثم جاءت حكاية «صانع المحتوى»: عنده متابعون كُثر؟ إذن إعلامي! عنده مشاهدات؟ إذن صاحب خبرة! يفتح بثًا مباشرًا؟ إذن محلل وصاحب رأي عام!

يا جماعة… الآيفون لا يأتي معه بكالوريوس في الصحافة!

نعم، هناك صُنّاع محتوى محترمون ومبدعون ولهم تأثير حقيقي، وكل الاحترام لهم، لكن صانع المحتوى ليس بالضرورة صحفيًا، كما أن الصحفي ليس بالضرورة صانع محتوى.

والأعجب أن بعض من يتصدرون المشهد اليوم كانوا بالأمس القريب لا يزالون على مقاعد الدراسة، وبعضهم لم يوفق حتى في الثانوية العامة، بينما كان غيرهم قد أمضى سنوات طويلة في الإعلام والعمل العام. واليوم يضعون رؤوسهم برؤوس من شاب شعرهم في هذه المهنة!

يا صغير التجربة، لا عيب أن تتعلم… العيب أن تتوهم أنك وصلت قبل أن تبدأ؛ فكيف لمن لا يزال يتعثر في صياغة جملة سليمة بلغته الأم أن يقارن نفسه بصحفي أفنى دهرًا في المهنة، وأتقن إلى جانب لغته الأم أربع لغات؟

كيف تتساوى سنوات الخبرة بورشة؟ وكيف تتساوى أربع لغات بعدد المتابعين؟ وهنا نصل إلى المصيبة الأكبر: هيبة الكلمة.

كان الصحفي يكتب مقاله، ثم ينتظر صدور الصحيفة ليقرأه الناس. كانت الكلمة تُراجع وتُصاغ، وكان للمقال وزن وللكاتب مسؤولية. أما اليوم، فالبعض يكتب خمسة «مقالات» في خمس دقائق! منشور، تعليق، بث مباشر، تحليل، ورأي… وفي النهاية خمسة ألقاب وسيرة ذاتية تحتاج مجلدًا.

أصبحت السرعة أهم من الفكرة، والمتابع أهم من المعلومة، واللقب أهم من المهنة، وتحولت بعض مواقع التواصل إلى ما يشبه الشِلَل الإلكترونية؛ هذا يمنح ذاك لقب «إعلامي»، وذاك يمنح الآخر لقب «مناضل»، والثالث يصف الجميع بالرفاق والرفيقات، وكأن الألقاب تُوزع في مقيل!

لا يا أعزائي .. الآيفون يمنحك منصة… لكنه لا يمنحك تاريخًا؛ الورشة تمنحك تدريبًا… لكنها لا تمنحك مهنة؛ المتابعون يمنحونك انتشارًا… لكنهم لا يمنحونك قامة

وقد تتساوى الحسابات على الشاشة، لكن القامات لا تتساوى إلا بالعلم والخبرة والممارسة والمواقف. وبالعدني نقولها من الآخر: المزايدات مش مليح… ومش مليح المزايدات!

وإذا اختلط عليكم الفرق بين الورشة والمهنة، وبين صانع المحتوى والصحفي، وبين الشهرة والخبرة… نقرع لكم جرس المدرسة؛ فالصحافة علم، وخبرة، ولغة، وممارسة، وأخلاق ومسؤولية.

ومن أراد أن يكون صحفيًا، فليتعلم الصحافة. ومن أراد أن يكون حقوقيًا، فليحمل قضية. ومن أراد أن يكون مناضلًا، فليثبت ذلك بالموقف. أما الشهرة؛ فقد تصنع لك اسمًا، لكنها لا تصنع لك تاريخًا. ويبقى الأثر.