​نقول في أمثالنا: «الباب الذي يأتيك منه الريح سدّه واسترح»، وربما كان في المثل شيء من حكمة الحذر. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الحذر إلى أسلوب حياة، فنغلق كل باب لأن ريحًا دخلت منه مرة، ونبتعد عن كل إنسان لأن إنسانًا خذلنا، ونخاف كل جديد لأن تجربة قديمة آلمتنا.

فليس كل ما يأتي مع الريح عاصفة؛ بعض الرياح تحرّك هواءً ظل راكدًا طويلًا، وبعض الأبواب التي نغلقها خوفًا قد نغلق معها معرفةً وصداقةً وفرصةً وحياةً كاملة. وفي مجتمعاتنا لا نغلق أبواب البيوت وحدها، بل قد نغلق أبواب الأفكار أيضًا.

 فنقول لأبنائنا: لا تقترب من المختلف، لا تثق بالغريب، لا تسأل كثيرًا، ثم نندهش حين يكبر الطفل وهو يخاف المجتمع بدل أن يعرف كيف يعيش فيه، يرى الآخرين غرباء، مع أن الغريب ليس صفة يحملها الإنسان الآخر، بل إنه المسافة التي تركناها بيننا وبينه. وأحيانًا يرى الاختلاف تهديدًا بدل أن يراه مساحةً للفهم.

والبداية من الأسرة؛ فالطفل الذي يسمع على مائدة بيته احترام المختلف يتعلم أن العالم أوسع من أسرته دون أن يفقد انتماءه إليها، والذي يرى والديه يفتحان باب الحوار بدل باب الأحكام يفهم أن الانفتاح لا يعني التخلي عن القيم، بل امتلاك الثقة بها حتى نستطيع لقاء الآخرين دون خوف.

نحن لا نحمي أبناءنا حين نبني حولهم جدرانًا عالية، بل حين نمنحهم عقلًا يميّز، وقلبًا يحترم، وشخصية تعرف متى تقول نعم ومتى تقول لا. فالبيت الآمن ليس بيتًا لا تدخله الريح، بل بيت يعرف أهله متى يفتحون النوافذ ومتى يغلقونها وكيف يصلحونها إذا انكسرت.

والأوطان ليست مختلفة كثيرًا؛ فالوطن الذي يخشى كل فكرة جديدة وكل وجه مختلف قد ينجح في منع بعض العواصف، لكنه قد يمنع عن نفسه الهواء أيضًا. لذلك ربما حان الوقت ألا نورّث أبناءنا الخوف مختبئًا في هيئة حكمة، بل أن نعلّمهم حكمة أوسع: إذا جاءتك الريح من نافذة، فلا تهدم البيت ولا تعش بلا هواء؛ أصلح النافذة، وافهم اتجاه الريح، ثم افتحها للحياة من جديد.

فالحياة لا تُعاش خلف الأبواب المغلقة، والنجاة ليست دائمًا في الهروب من الريح؛ أحيانًا تكون في أن نتعلم كيف نُبحر بها.