> "الأيام" غرفة الأخبار:
لم تكن المواجهات الأخيرة في جبهات الساحل الغربي مجرد جولة عسكرية عابرة، بل بدت أقرب إلى اختبار مباشر لقدرة مليشيا الحوثي على فرض إيقاع المعركة، في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في اليمن. فالحوثيون دخلوا المواجهة مستخدمين مزيجًا من الهجمات البرية ومحاولات التسلل والقصف الصاروخي والطائرات المسيرة، في محاولة لإرباك خطوط الدفاع وإحداث اختراق ميداني يمكن البناء عليه.
- لكن الحسابات اصطدمت بواقع مختلف.
فقوات المقاومة الوطنية، بقيادة الفريق أول ركن طارق صالح، تعاملت مع التصعيد باعتباره معركة متكاملة لا مجرد اشتباك على خطوط التماس، فامتصت الهجوم، وأحبطت محاولات التقدم والتسلل، وتعاملت مع المسيرات والصواريخ، قبل أن تنتقل في عدد من القطاعات إلى الهجوم المضاد.
- عندما اصطدمت صورة القوة الحوثية بالواقع
على مدى سنوات الحرب، حرص الحوثيون على تقديم أنفسهم باعتبارهم القوة الأكثر قدرة على المبادرة والهجوم والمفاجأة، مستفيدين من تطوير قدراتهم الصاروخية واستخدام الطائرات المسيرة والهجمات متعددة المحاور.
لكن الجولة الأخيرة أظهرت أن امتلاك أدوات هجومية متنوعة لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق مكسب بري.
فالهجوم الحوثي حاول الجمع بين الضغط الناري والتحرك البري، بالتزامن مع الضغط على أكثر من قطاع، بهدف تشتيت القوات المدافعة واستنزافها وفتح ثغرة في خطوطها.
غير أن النتيجة جاءت مختلفة؛ إذ حافظت المقاومة الوطنية على تماسكها، وتعاملت مع موجات الهجوم المتتالية، قبل أن تبدأ في استعادة زمام المبادرة.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات المواجهة: المشكلة الحوثية لم تكن في غياب القوة النارية، وإنما في عدم القدرة على تحويل هذه القوة إلى اختراق عسكري مستدام.
- سنوات الخبرة صنعت الفارق
لا يمكن قراءة أداء المقاومة الوطنية بمعزل عن سنوات القتال التي خاضتها في الساحل الغربي.
فهذه القوات لم تدخل المعركة وهي تواجه خصماً مجهولاً، بل راكمت خبرة طويلة في التعامل مع تكتيكات الحوثيين، من التسلل والهجمات البرية إلى القصف واستخدام الطائرات المسيرة.
وهذا التراكم الميداني ساعد المقاومة الوطنية على التعامل مع التصعيد باعتباره عملية مركبة، وليس هجومًا بريًا منفردًا.
- 15 ساعة.. اختبار حقيقي للصمود
امتدت المواجهات لساعات طويلة، وشهدت، وفق ما أعلنته المقاومة الوطنية، اشتباكات في جبهات البرح والحديدة ومناطق الكدحة ومقبنة وسقم وحاضية والبراشا، بالتزامن مع هجمات صاروخية واستخدام للطائرات المسيرة.
وكان الرهان الحوثي يقوم، على ما يبدو، على أن يؤدي الضغط المتواصل إلى إنهاك الدفاعات وفتح ثغرة يمكن استثمارها.
لكن الحفاظ على تماسك خطوط المقاومة حرم الهجوم من أهم نتائجه المفترضة: الانهيار أو الاختراق.
- الخسائر.. عندما ينقلب الهجوم على صاحبه
تحدثت المصادر العسكرية وإعلام المقاومة الوطنية عن خسائر في صفوف الحوثيين، وإعطاب آليات، وإفشال محاولات تقدم وتسلل، إضافة إلى إسقاط طائرات مسيرة خلال المواجهات.
لكن أهمية هذه الخسائر لا تتعلق بعددها فقط، وإنما بطريقة حدوثها.
فالقوة المهاجمة تتحمل كلفة أكبر عندما تفشل في تحقيق الاختراق، لأن الوحدات التي تتقدم دون القدرة على توسيع مكاسبها تصبح أكثر عرضة للنيران.
ومع استمرار الهجوم من دون نتيجة حاسمة، تبدأ المعادلة بالانعكاس؛ إذ تتحول القوة المهاجمة من طرف يفرض الضغط إلى طرف يحاول حماية وحداته المتقدمة من الاستنزاف.
وهذا ما يبدو أنه حدث في عدد من قطاعات الساحل الغربي.
- المسيرات لم تحسم المعركة
اعتمد الحوثيون خلال السنوات الماضية بصورة متزايدة على الطائرات المسيرة للاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات.
لكن إسقاط عدد من المسيرات خلال المواجهات، وفق ما أعلنته المقاومة الوطنية، مثّل عاملًا مؤثرًا في تعطيل جزء من منظومة الهجوم.
فالمسيرة لا تقدم قوة نارية فقط، بل توفر معلومات ميدانية تساعد على تحديد مواقع القوات والنيران وخطوط الإمداد.
وعندما تُفقد هذه القدرة، يصبح المهاجم أقل قدرة على العمل وفق معلومات محدثة عن ساحة المعركة.
- من امتصاص الضربة إلى قلب المعادلة
التحول الأبرز في المواجهة تمثل في انتقال المقاومة الوطنية من الدفاع إلى الهجوم المضاد.
فبعد إفشال محاولات التقدم، تمكنت القوات، وفق ما أعلنته مصادرها، من استعادة مواقع حاول الحوثيون التقدم إليها.
وهذه الخطوة تحمل دلالة عسكرية واضحة؛ فالقوة التي تنتقل من صد الهجوم إلى تنفيذه مضادًا تكون قد بدأت في استعادة المبادرة، بينما تكون القوة المهاجمة قد فقدت جزءًا من زخمها.
وهذا هو الفارق الأهم في قراءة الجولة الأخيرة.
قوة لا تنتظر الهجوم
تظهر المواجهة كذلك أهمية البناء العسكري الذي شهدته قوات المقاومة الوطنية في الساحل خلال السنوات الماضية.
فالقوة التي يقودها الفريق أول ركن طارق صالح لم تتعامل مع الساحل باعتباره جبهة مؤقتة، وإنما كمسرح عمليات يحتاج إلى تنظيم وتدريب واستطلاع وتحصينات واستعداد مستمر.
وفي المعارك متعددة الأدوات، لا تكفي الشجاعة الفردية، بل تحتاج القوات إلى منظومة متماسكة للقيادة والسيطرة والاتصالات وتنسيق النيران وتحريك الوحدات.
وما أظهرته الجولة الأخيرة هو أن هذه المنظومة تمكنت من الصمود تحت الضغط، ثم استثمار تراجع زخم الهجوم للانتقال إلى الرد.
- الساحل الغربي.. جبهة يصعب اختراقها
يمثل الساحل الغربي بالنسبة إلى الحوثيين أكثر من مجرد خط تماس. فالمخا وميناؤها والمناطق المتاخمة للحديدة والطرق الممتدة نحو تعز تمنح الجبهة أهمية استراتيجية كبيرة.
لكن وجود المقاومة الوطنية جعل هذه الحسابات أكثر تعقيدًا، بعدما تحولت القوات المنتشرة في المنطقة إلى قوة تملك خبرة طويلة في مواجهة الحوثيين.
وبالتالي، أصبح من الصعب التعامل مع الساحل باعتباره جبهة يمكن تغيير معادلتها بعملية هجومية واحدة، مهما بلغت كثافة النيران المستخدمة فيها.
- الخلاصة.. الحوثيون طرقوا الباب ولم يفتحوه
لا تعني الجولة الأخيرة أن التصعيد في الساحل الغربي انتهى، ولا أن الحوثيين فقدوا قدرتهم على شن هجمات جديدة، لكنها كشفت حدود قدرتهم على فرض إيقاع المعركة من طرف واحد.
فالهجوم الحوثي امتلك أدوات نارية متعددة، لكنه لم يتمكن، وفق ما أعلنته المقاومة الوطنية، من تحويلها إلى اختراق ميداني، بينما حافظت القوات على خطوطها وتمكنت من إيقاع خسائر بالمهاجمين والانتقال إلى الهجوم المضاد في عدد من القطاعات.
وبذلك، لم تكن النتيجة مجرد صد هجوم، بل إعادة تأكيد أن الساحل الغربي بات جبهة تملك فيها المقاومة الوطنية القدرة على المبادرة أيضاً.
وفي الساحل الغربي، يستطيع الحوثيون طرق الأبواب بالنار، لكن الجولة الأخيرة أثبتت أن فتحها بالقوة ليس أمرًا مضمونًا.
















