> > «الأيام» اندبندنت عربية:

على وقع التصعيد العسكري للحوثيين الذي طال مناطق في محافظات تعز والحديدة ولحج، غرب اليمن، تضاعفت مأساة النازحين، وتحولت مخيماتهم مجددًا إلى مسارح للموت، وأدى ذلك إلى موجة نزوح جديدة طالت آلاف الأسر، بعدما تحولت المخيمات إلى هدف عسكري مكشوف تتربص به نيران الجماعة.

ومع تقدم الحوثي وسيطرتها على مديريات الخوخة وحيس والمخا وذو باب الساحلية على البحر الأحمر، دفعت تلك التطورات آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها أو مخيمات النزوح التي لجأت إليها سابقًا، هربًا من التصعيد الذي أعاد مخاوف الموت إلى واجهة حياتها اليومية. وشهدت تلك المناطق نزوحًا جماعيًا إلى محافظة عدن وأجزاء أخرى من محافظة تعز، لتجد آلاف الأسر نفسها في مأساة إنسانية وموجة نزوح جديدة، لا تعرف متى تنتهي ولا متى ستعود إلى دفء منازلها.
  • نزوح مهول في تعز ولحج
من جهتها، أفادت المنظمة الدولية للهجرة في أحدث إحاطة لها بنزوح 93,864 شخصًا حديثًا في مختلف أنحاء اليمن، نتيجة للنزاع المستمر، إذ يتركز التأثير الأكبر في محافظتي تعز ولحج. ففي مديرية جبل حبشي بتعز وحدها، نزح 18,840 شخصًا، إضافة إلى 9,966 نازحًا من مديرية المعافر. وفي لحج، بلغ عدد النازحين في مديرية المضاربة ورأس العارة 16,464 نازحًا، بينما بلغ عدد النازحين في تبن 2,892 نازحًا.

وفي السياق ذاته، أوضح نجيب السعيدي، رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، أن عدد الأسر النازحة بلغ حتى يوم 12 من الشهر الجاري 12,597 أسرة، بما يعادل 86,415 نازحًا، لافتًا إلى أن هذه الحصيلة تمثل ما تمكنت فرق المسح الميداني من رصده على خلفية اجتياح جماعة الحوثي لتلك المناطق وتصعيدها العسكري فيها.

وأوضح السعيدي، في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن عمليات النزوح لا تزال مستمرة، وأن أعدادًا إضافية من الأسر النازحة لم تصل إليها فرق الرصد بعد، مؤكدًا أن عملية المسح الميداني ما زالت جارية لحصر الأعداد الفعلية.

ووفقًا لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، فإنه مع استمرار القتال على طول الساحل الغربي، أُجبرت العائلات على ترك منازلها، وهرب بعضها من البلاد نهائيًا، مبينة أن محافظة تعز لا تزال الأكثر تضررًا، إذ نزحت 9,280 أسرة، أو ما يقرب من 56 ألف شخص، من مناطق تشمل جبل حبشي والمعافر ومقبنة وموزع.

وأعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء، أن 100 ألف شخص على الأقل نزحوا منذ استئناف المعارك في اليمن بين الحوثيين المدعومين من إيران والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، والتي سيطر خلالها المتمردون على الساحل الغربي للبلاد ومنطقة مضيق باب المندب.

وأشار السعيدي إلى أن النازحين توافدوا من مديريات عدة في تعز، أبرزها جبل حبشي ومقبنة والمعافر، إضافة إلى المخا والوازعية وموزع وذوباب، فيما شهدت مديريتا حيس والخوخة في الساحل الغربي نزوحًا واسعًا أيضًا، لافتًا إلى أن غالبية من كانوا نازحين سابقًا في الخوخة اضطروا إلى النزوح مجددًا باتجاه مدينة عدن جنوب البلاد.
  • شهادات ميدانية عن أهوال الطريق
يروي محمد أمين، أحد النازحين من مديرية مقبنة في محافظة تعز، تفاصيل رحلة نزوح عائلته المتكررة على مدى سنوات، التي توجها التصعيد العسكري الأخير للحوثيين بنزوح جديد، اضطرهم إلى مغادرة مخيمهم باتجاه مديرية جبل حبشي، في مشهد يتكرر مع آلاف الأسر اليمنية التي وجدت نفسها للمرة الثانية أو الثالثة في موجة نزوح جديدة.

يقول أمين، في حديثه لـ"اندبندنت عربية": "وجدت نفسي وعائلتي أمام موجة نزوح قسرية بعد سنوات قضيناها بعيدًا من مسقط رأسنا"، موضحًا أنه نزح للمرة الأولى من مديرية مقبنة إلى مديرية المعافر، ثم نزحت العائلة مجددًا عام 2023 نزوحًا داخليًا إلى مخيم الشراجة، حيث بقوا هناك لسنوات، قبل أن يدفعهم التصعيد الأخير إلى النزوح مرة أخرى باتجاه وادي "ابن خولان" في مديرية جبل حبشي.

ووصف أمين ظروف النزوح الأخير بالقاسية للغاية، قائلًا: "خرجنا تحت ظروف قاسية جدًا، ولم نكن نمتلك سوى أمتعة خفيفة، فلم يكن همنا حينها إلا النجاة وإبعاد النساء والأطفال من أجواء التصعيد وساعات الرعب غير المسبوق التي يعيشونها".

وعن تفاصيل الرحلة، أضاف أن القذائف والاشتباكات وأزيز الرصاص التي رافقت تحرك العائلة زرعت رعبًا لا يوصف في نفوسهم، ودمرت ما تبقى لديهم من شعور بالأمان. وبعد وصول العائلة إلى موقع النزوح الجديد، وجدت نفسها أمام ظروف معيشية بالغة الصعوبة، في ظل نقص حاد في الإمكانات الأساسية ومواد الإيواء، إذ اضطروا إلى تخصيص المنازل المتاحة للنساء والأطفال للنوم، بينما ينام الرجال في العراء حتى يتدبروا أمورهم.
  • فرار جماعي بالقوارب نحو جيبوتي
لم تقتصر مأساة الفارين على النزوح الداخلي، إذ فر آلاف اليمنيين عبر البحر الأحمر بالقوارب من الساحل الغربي لليمن باتجاه سواحل جيبوتي في شرق أفريقيا، الواقعة على الضفة المقابلة، على بعد نحو 20 ميلًا بحريًا (32 كيلومترًا)، وذلك هربًا من المعارك الدائرة.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الاقتصاد والمالية في جيبوتي، إلياس محمد داواله، في منشور عبر حسابه على منصة "إكس"، أن بلاده استقبلت حتى 2,084 لاجئًا يمنيًا، مؤكدًا أن أوضاعهم "تزداد صعوبة"، مع استمرار التدفق الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على إمكانات بلاده المحدودة.

وبدورها، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 2,000 شخص فروا من الأعمال العدائية إلى السواحل الشمالية لجيبوتي، إذ نزلوا في نقاط متفرقة بالقرب من مدينة أوبوك، وغالبيتهم من النساء والأطفال الصغار، وسط توقعات باستمرار تدفق مزيد من النازحين مع غياب مؤشرات الانفراج.
  • استهداف للصحافة الميدانية
تزامنًا مع تقدم الميليشيات وسيطرتها على عدد من المديريات الساحلية، وثقت منظمات حقوقية يمنية مئات الانتهاكات.

وفي الوقت الذي أصدر فيه مهدي المشاط، رئيس ما يُعرف بـ"المجلس السياسي" التابع للجماعة وغير المعترف به دوليًا، عفوًا عن مسلحين ألقوا سلاحهم، في خطوة رأت فيها الأوساط المحلية حملة دعائية بلا أثر واقعي، أعلنت نقابة الصحافيين اليمنيين تلقيها بلاغًا من زملاء الصحافي صادق شلي يفيد بأن جماعة الحوثي اعتقلته من داخل منزله في ظروف غامضة، مما يعكس استمرار استهداف الصحافيين.

من جهتها، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ما مجموعه 958 جريمة وانتهاكًا ارتكبتها الجماعة في الفترة من الثالث إلى الـ11 من سبتمبر الجاري، بمديريتي حيس والخوخة في الحديدة، ومديريات الوازعية وموزع والمخا وذوباب في تعز، وشملت القتل والإصابة والاعتقال والاختطاف والنهب واستهداف المنشآت المدنية والإنسانية.
  • توثيق هجمات الحوثيين على السفن
على خط متصل بالتصعيد الإقليمي، أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن هجمات الحوثيين الأخيرة على سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن ترقى، على الأرجح، إلى جرائم حرب في ثلاث حالات على الأقل.

وجاءت هذه الهجمات عقب إعلان الحوثيين في الـ20 من يوليو (تموز) 2026 فرض حظر بحري على السعودية، ردًا على ما زعموا أنه حصار بحري وجوي على اليمن.

وقد استهدفت الهجمات سفينتين في الأقل ترفعان علم السعودية، وسفينة ترفع علم تنزانيا، وأخرى ترفع علم دومينيكا، مع التذكير بأن الهجمات على المدنيين أو الأعيان المدنية، إذا نُفذت عمدًا أو بتهور، تشكل جرائم حرب.

وقالت نيكو جعفرنيا، باحثة اليمن والبحرين في هيومن رايتس ووتش: "يعرض الحوثيون مجددًا حياة البحارة لخطر الموت بهجماتهم على السفن التجارية، وهذه المرة في إطار نزاعهم مع التحالف بقيادة السعودية. وبصرف النظر عن الاعتبارات الجيوسياسية، فإن الهجمات على الطواقم المدنية التي تُنفذ عمدًا أو بتهور هي جرائم حرب".

وحتى الـ24 من أغسطس، زعم الحوثيون استهداف تسع سفن على الأقل منذ 20 يوليو، بينما أكدت السلطات السعودية واليمنية وشركة شحن وربان سفينة وقوع أربع هجمات على سفن: "إنسيليا" و"ديزي" و"تهامة" و"أمزان". ولم يزعم الحوثيون وجود هدف عسكري إلا في الهجوم على "تهامة"، التي زعموا أنها كانت تحمل معدات عسكرية سعودية.

وقد راجعت "هيومن رايتس ووتش" بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية ومواقع تتبع السفن للتحقق من المواقع والتوقيتات، كما تحققت من صور وفيديوهات منشورة.

وتشير الأدلة إلى أن الحوثيين كانوا يعلمون، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، أن "إنسيليا" و"ديزي" و"أمزان" سفن تجارية تقل مدنيين، ومن دون تقديم أي دليل يثبت وجود أهداف عسكرية على متنها، لتتكامل هذه الانتهاكات البحرية مع المأساة الإنسانية المروعة التي يعيشها المدنيون والنازحون على اليابسة في اليمن، وفقًا للمنظمة الدولية.