> تقرير / معتز إقبال:
- ميناء عدن للحاويات.. كفاءة تشغيلية تتحدى الظروف وتعيد رسم الطريق أمام التجارة الوطنية
تحافظ على نشاطها التشغيلي وتدعم القطاع الخاص وسلاسل الإمداد وسط تحديات الملاحة الإقليمية
في الموانئ، لا تُقاس النجاحات بعدد السفن التي ترسو فقط، بل بقدرة الميناء على إبقاء حركة التجارة مستمرة عندما تصبح طرق الملاحة أكثر تعقيدًا، وتزداد كلفة الشحن، وتتغير مسارات السفن. ومن هذه الزاوية، يبرز ميناء عدن للحاويات بوصفه أحد
المرافق الاقتصادية التي تواصل أداء دورها في خدمة التجارة اليمنية والقطاع الخاص، رغم الظروف الصعبة التي تحيط بحركة النقل البحري في المنطقة.
من الحاوية إلى السوق.. سلسلة اقتصادية متكاملة
قد تبدو الحاوية بالنسبة للمستهلك مجرد صندوق يحمل سلعة، لكنها في الواقع تمثل حلقة في سلسلة اقتصادية طويلة تبدأ من المصنع أو المنتج في الخارج، مرورًا بالسفينة والميناء والمناولة والتخليص والنقل البري، وصولًا إلى التاجر والسوق والمستهلك.
وفي مارس 2026، ناقش وزير النقل، الأستاذ محسن حيدرة العمري، مع قيادة الشركة مستوى الأداء التشغيلي والتحديات التي تواجه نشاط الميناء، فيما استعرضت قيادة مؤسسة موانئ خليج عدن عددًا من خطوات التطوير، من بينها إعادة فتح محطة المعلا، والبدء في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع تطوير مداخل الميناء، إلى جانب المساعي الرامية لإعادة تنشيط نشاط الترانزيت.
الخطوط الملاحية.. الثقة هي العنوان
في صناعة النقل البحري، لا يكفي أن يمتلك الميناء موقعًا جغرافيًا مميزًا؛ فاستمرار الخطوط الملاحية في التعامل معه يرتبط بجودة الخدمة، وكفاءة التشغيل، والقدرة على التعامل مع السفن والبضائع في الوقت المناسب.
ولهذا، يمثل تحسن الأداء التشغيلي في ميناء عدن رسالة مهمة لشركات النقل البحري، خصوصًا في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وقد أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن أن التحسن في الأداء يسهم في تعزيز ثقة الخطوط الملاحية العاملة، ويفتح المجال أمام شراكات مستقبلية مع شركات النقل البحري، بما يمكن أن يساعد في تقليص زمن الرحلات وخفض تكاليف الشحن إلى عدن.
خلف حركة الحاويات.. فريق يعمل بصمت
وراء كل سفينة تصل إلى الرصيف، وكل حاوية تدخل الساحة أو تغادرها، هناك فريق من المهندسين والفنيين والعمال والإداريين وموظفي التشغيل والمناولة والسلامة والخدمات التجارية واللوجستية.
وهؤلاء يمثلون الجانب الذي لا يظهر كثيرًا في الصورة الإعلامية للميناء، لكنه يشكل أساس نجاحه الحقيقي. فالعمل في محطة للحاويات يتطلب الجاهزية، والانضباط، وسرعة الاستجابة، والتنسيق المستمر بين عدد كبير من الإدارات والفرق.
قيادة وكوادر تستحق التقدير
تستحق قيادة شركة عدن لتطوير الموانئ – ميناء عدن للحاويات كلمة شكر وتقدير على ما تبذله من جهود مضنية في إدارة النشاط التشغيلي ومواجهة التحديات، وفي مقدمتهم رئيس الشركة د. محمد علوي أمزربة، والمدير العام عارف حسن الشعبي، ونائب المدير العام م. فضل قاسم الحجيلي، والمدير التجاري د. أشرف علي قردش، إلى جانب جميع القيادات والكوادر والعاملين في مختلف مواقع العمل.
وتظهر المتابعة الميدانية واللقاءات مع ممثلي الخطوط الملاحية والجهات ذات العلاقة أهمية الدور الإداري والتجاري في المحافظة على العلاقات مع العملاء وتعزيز الخدمات المقدمة لشركات الملاحة.
الميناء في قلب سلاسل الإمداد العالمية
على المستوى العالمي، تنقل التجارة البحرية أكثر من 80% من حجم تجارة البضائع العالمية، مما يجعل الموانئ جزءًا أساسيًا من شبكة سلاسل الإمداد الدولية. كما تؤكد بيانات الأونكتاد أن الاتصال البحري المنتظم يمثل عنصرًا رئيسيًا في قدرة الاقتصادات على الوصول إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن تطوير ميناء عدن لا يمثل قضية تخص قطاع النقل وحده، بل يرتبط بالتجارة والاستثمار والأسواق والأمن الغذائي وتكاليف السلع وقدرة القطاع الخاص على الحصول على احتياجاته في الوقت المناسب.
من محطة حاويات إلى مركز لوجستي
الفرصة المستقبلية أمام ميناء عدن تتجاوز مجرد زيادة عدد الحاويات؛ فالطموح الأكبر يتمثل في بناء منظومة لوجستية متكاملة قادرة على جذب المزيد من الخطوط الملاحية، وتطوير خدمات الترانزيت وإعادة التصدير، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع استخدام الحلول الرقمية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
القطاع الخاص.. المستفيد الأول من كفاءة الميناء
بالنسبة للقطاع الخاص، فإن كفاءة محطة الحاويات ليست مسألة تشغيلية فحسب، بل عامل اقتصادي مباشر. فالتاجر والمستورد يحتاج إلى ميناء يوفر له خدمة مستقرة، وسرعة في المناولة، ووضوحًا في الإجراءات، وقدرة على التعامل مع حركة السفن والحاويات بصورة منتظمة. وكلما تحسنت هذه العناصر، أصبحت بيئة التجارة أكثر قدرة على الحركة، وانخفضت المخاطر المرتبطة بتأخير البضائع وتكاليف النقل والتخزين.
عدن.. فرصة تتجاوز حدود الحاوية
أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية يتم نقله بحرًا، ولذلك فإن الموانئ ليست مجرد أماكن لوصول السفن، بل مراكز حيوية تتصل بالتجارة والاستثمار والأسواق وسلاسل الإمداد.
وهنا يمكن أن يتحول ميناء عدن من محطة لاستقبال الحاويات إلى منصة لوجستية وتجارية متكاملة تخدم الاقتصاد اليمني، وتفتح المجال أمام استثمارات جديدة.
صندوق معلومات | أرقام وحقائق
25% زيادة نشاط ميناء عدن للحاويات في عام 2025 مقارنة بعام 2024، وفق إفادة رسمية في مارس 2026.
3 سفن: تمكّن طاقم الميناء من إرسائها في الوقت نفسه، وفق المصدر الرسمي ذاته.
أكثر من 80%: نسبة تجارة البضائع العالمية المنقولة بحرًا، بحسب الأونكتاد.
محطة عدن للحاويات.. منظومة تشغيلية في قلب حركة التجارة
ولا يقتصر نشاط محطة عدن للحاويات التابعة لشركة عدن لتطوير الموانئ على استقبال السفن ومغادرتها، بل تمثل منظومة تشغيلية متكاملة تتداخل فيها مجموعة واسعة من المهام البحرية والتجارية واللوجستية، تبدأ من استقبال سفن الحاويات وتجهيز الأرصفة والساحات، مرورًا بعمليات تفريغ وتحميل الحاويات ومناولتها ونقلها داخل المحطة، وصولًا إلى تسليم البضائع ومتابعة عمليات التصدير والاستيراد والترانزيت بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
وتعمل المحطة على تنظيم حركة الحاويات داخل الساحات، وإدارة عمليات المناولة باستخدام معدات وآليات متخصصة، إلى جانب متابعة بيانات الشحنات والحاويات وتنسيق عمليات دخول وخروج الشاحنات، بما يساعد على تحقيق انسيابية أكبر في دورة البضائع وتقليل فترات الانتظار والتكدس.
كما تشمل مهامها التعامل مع الحاويات الواردة والصادرة وحاويات الترانزيت، والتنسيق مع الخطوط الملاحية ووكلائها وشركات الشحن والتخليص والجهات الحكومية ذات العلاقة، بما يجعل المحطة حلقة وصل عملية بين السفينة والميناء والسوق.
وتكتسب أعمال السلامة والأمن والصيانة أهمية خاصة ضمن النشاط اليومي للمحطة، إذ تتطلب عمليات مناولة الحاويات بيئة تشغيلية دقيقة تقوم على جاهزية المعدات، وكفاءة فرق التشغيل والصيانة، والالتزام بإجراءات السلامة المهنية، وسرعة التعامل مع متطلبات السفن والحاويات.
ومن الجانب التجاري، تؤدي المحطة دورًا مهمًا في خدمة العملاء والقطاع الخاص من خلال متابعة احتياجات المستوردين والمصدرين ووكلاء الشحن والخطوط الملاحية، والعمل على تحسين مستوى الخدمات بما يواكب متطلبات التجارة البحرية الحديثة.
تشغيل على مدار الساعة.. ومسؤولية تتجاوز حدود الميناء
وخلف هذه العمليات اليومية تقف فرق متخصصة تعمل وفق منظومة مترابطة تشمل التشغيل والمناولة والصيانة والهندسة والسلامة والأمن والخدمات التجارية والإدارية، بما يتطلب جاهزية مستمرة للتعامل مع حركة السفن والحاويات وتغير احتياجات الخطوط الملاحية والعملاء.
ولهذا، فإن نجاح المحطة لا يقاس بعدد الحاويات التي تتم مناولتها، وإنما كذلك بقدرتها على تقليل زمن انتظار السفن، وتحسين زمن المناولة، والمحافظة على سلامة البضائع والمعدات، وتقديم خدمة مستقرة وموثوقة للعملاء والخطوط الملاحية.
ختامًا:
ومع التطورات التي شهدها نشاط الميناء خلال الفترة الأخيرة، تبدو محطة عدن للحاويات أمام مرحلة جديدة عنوانها رفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص استعادة النشاط الملاحي والترانزيت، رغم الظروف الصعبة التي فرضتها التطورات في البحر الأحمر وباب المندب.
قد لا تكون مهمة ميناء عدن اليوم سهلة، لكن استمرار الحركة في أرصفته وساحاته، وتحسن مؤشرات نشاطه، والعمل على تطوير خدماته واستعادة دوره في الترانزيت، كلها مؤشرات تستحق المتابعة.
فالميناء في النهاية ليس مجرد رصيف ورافعة وحاوية، إنه جزء من الاقتصاد الذي يصل البحر بالسوق، والتجارة بالمستهلك، والقطاع الخاص بالعالم.
ومن هنا تأتي أهمية مواصلة الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات، حتى يتحول ما تحقق من تحسن تشغيلي إلى مسار مستدام يعيد لميناء عدن حضوره الطبيعي كمركز مهم للتجارة البحرية والخدمات اللوجستية في المنطقة.
وإن ما تقوم به شركة عدن لتطوير الموانئ ومحطة عدن للحاويات يستحق التقدير، ليس فقط باعتباره نشاطًا في قطاع النقل البحري، وإنما لما يمثله من ارتباط مباشر بحركة التجارة والأسواق والقطاع الخاص والاقتصاد الوطني، والرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مواصلة تطوير الأداء، واستثمار الموقع الاستراتيجي لعدن، وتعزيز ثقة الخطوط الملاحية، وتوفير بيئة أكثر كفاءة لحركة الحاويات والتجارة.
فكل سفينة تصل، وكل حاوية تُناوَل بكفاءة، وكل تاجر يحصل على خدمة أفضل، هي في النهاية حلقة جديدة في طريق استعادة عدن لدورها الاقتصادي والتجاري الذي تستحقه.



.jpg)












