> «الأيام» الاصلاح نت:
تحتل المملكة العربية السعودية موقعاً خاصاً في الوعي الاجتماعي والسياسي اليمني، ليس بفعل الجغرافيا وحدها، وإنما بما فرضه التاريخ والجوار والمصالح المتبادلة من حقائق جعلت من العلاقة بين البلدين شأناً يتجاوز حدود العلاقات التقليدية بين دولتين متجاورتين.
ومن هذا المنطلق ينظر التجمع اليمني للإصلاح إلى المملكة بوصفها دولة شقيقة وجارة، تربطها باليمن وشائج عميقة، وتجمعها به مصالح إستراتيجية لا يمكن فصلها عن أمن المنطقة واستقرارها.
وقد ظل اليمن بالنسبة إلى الإصلاح هو العنوان الأبرز في مقاربته للعلاقة مع المملكة؛ فكلما تعقدت الأوضاع اليمنية، برزت الحاجة إلى تفاهم يضع أمن اليمن واستقراره ووحدته ومؤسسات دولته في صدارة الأولويات، كما أن استقرار اليمن، وفق هذه الرؤية، لا ينفصل عن أمن المملكة ومصالحها، في ظل الجوار المباشر وتشابك الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومع التحولات التي شهدتها اليمن منذ انقلاب الحوثيين، دخلت العلاقة بين الإصلاح والمملكة مرحلة جديدة، خصوصاً عقب انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، وما رافقها من ظروف سياسية وعسكرية أعادت ترتيب المشهد اليمني والإقليمي، ومنذ ذلك الحين برزت قنوات اتصال وحوار سياسي مباشر بين قيادات الإصلاح والقيادة السعودية، لتؤكد أن اختلاف الظروف لا يلغي حقيقة المصالح المشتركة، وأن اليمن ظل القضية المركزية التي تدور حولها هذه العلاقة.
المملكة في وجدان الإصلاح
ومنذ تأسيس التجمع اليمني للإصلاح في سبتمبر 1990، لم ينظر الحزب إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها مجرد دولة جارة، تفرضها حدود مشتركة ومصالح متبادلة، وإنما باعتبارها جزءاً من المحيط العربي والإسلامي الذي يتحرك اليمن في إطاره، وبلداً ترتبط به اليمن بروابط الدين والتاريخ والجوار والتداخل الاجتماعي والمصالح المشتركة، وهذا التصور لم يبقَ في حدود الخطاب السياسي، بل انعكس في أدبيات الحزب ووثائقه ومواقفه المعلنة تجاه العلاقات الخارجية.
وقد أكد البرنامج السياسي للإصلاح أهمية تمتين الروابط وتطوير التعاون مع دول الجوار في الجزيرة والخليج، بما يحفظ أمن المنطقة ويحقق المصالح المشتركة، فيما خصصت أدبيات الحزب للعلاقة اليمنية السعودية مساحة واضحة، باعتبارها علاقة ذات خصوصية إستراتيجية، كما وصف البيان الختامي للمؤتمر العام الثاني للإصلاح العلاقات اليمنية السعودية بأنها ذات جذور تاريخية، تقوم على الدين والجوار والتاريخ واللغة والمصالح المشتركة والمصير الواحد، ودعا إلى الارتقاء بها إلى مستوى التفاهم والتنسيق والتكامل.
ويرى الإصلاح أن المملكة تمثل عمقاً إستراتيجياً لليمن، بحكم مكانتها وثقلها العربي والإسلامي، ووجود المقدسات الإسلامية على أراضيها، فضلاً عن تداخل المصالح بين البلدين، وفي المقابل فإن اليمن بموقعه الجغرافي وامتداده السكاني والاجتماعي، يمثل عمقاً مهماً للمملكة، لذلك فقد ظل خطاب الإصلاح يؤكد أن العلاقة بين البلدين ينبغي أن تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة، وأن استقرار أحدهما لا يمكن عزله عن استقرار الآخر.
يمنٌ مستقر.. وسعوديةٌ آمنة
وينطلق الإصلاح في رؤيته للعلاقة اليمنية السعودية من حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاوزها، كونهما بلدين متجاورين تتداخل حدودهما ومصالحهما وشعوبهما، بحيث يصبح أمن كل منهما متصلاً بصورة مباشرة بأمن الآخر، ولذلك لا يتعامل الحزب مع أمن اليمن وأمن المملكة كملفين منفصلين، بل يراهما جزءاً من منظومة واحدة في الجزيرة العربية، تتطلب التعاون والتنسيق وتبادل المصالح.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في الوثائق السياسية للإصلاح التي تؤكد ضرورة تمتين علاقات اليمن مع دول الجوار في الجزيرة والخليج، وتجنيب المنطقة أسباب التوتر والهيمنة، بما يحفظ أمنها ويحقق المصالح الأساسية لشعوبها، كما تنص البيانات السياسية للحزب على أن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على حسن الجوار والاحترام المتبادل والتعاون، وهي مبادئ يرى الإصلاح أنها تنطبق بصورة خاصة على علاقة اليمن بالمملكة.
ومن منظور الإصلاح فإن اليمن الذي يستعيد دولته ومؤسساته ووحدته واستقراره لا يمثل مصلحة يمنية فحسب، بل يضيف إلى أمن محيطه الإقليمي، وفي مقدمته المملكة، وفي الاتجاه المقابل فإن وجود المملكة كدولة مستقرة ذات ثقل سياسي واقتصادي وإقليمي يمثل عنصراً مهماً في البيئة التي يحتاجها اليمن للخروج من أزماته وإعادة بناء مؤسساته.
ولهذا يربط الإصلاح بين استعادة الدولة اليمنية وحماية أمن المنطقة، ويرى أن مواجهة الانقلاب الحوثي ليست شأناً داخلياً محضاً، بالنظر إلى انعكاساته على أمن الجوار والممرات البحرية والمصالح الإقليمية، وقد أكد الحزب في مواقفه أن دعم الشرعية بالنسبة إليه هو دعم لفكرة الدولة، وأن تقوية مؤسساتها مصلحة وطنية تتجاوز المكاسب الحزبية، وهكذا فإن معادلة الإصلاح تقوم على قاعدة واضحة، يمن مستقر وقوي بدولته ومؤسساته، ومملكة آمنة مستقرة، يمثلان مصلحة مشتركة للبلدين والمنطقة.
الجوار الذي يجمع المصالح
ولا يختصر الإصلاح أهمية المملكة بالنسبة لليمن في بعدها السياسي أو الأمني، كما لا ينظر إلى اليمن بالنسبة للمملكة من زاوية الحدود وحدها، فالعلاقة في رؤيته شبكة واسعة من المصالح والروابط التي صنعتها الجغرافيا ورسخها التاريخ وعمقها التداخل الاجتماعي والاقتصادي بين الشعبين.
فالمملكة هي الجار الأكبر لليمن، وتجمع البلدين حدود طويلة وتواصل اجتماعي ممتد، فضلاً عن وجود جالية يمنية كبيرة في المملكة، وما يرتبط بذلك من مصالح اقتصادية ومعيشية وإنسانية، كما أن المملكة تمثل مركزاً اقتصادياً وسياسياً مهماً في المنطقة، فيما يمتلك اليمن موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية، يشرف على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وهو ما يجعل استقرار اليمن عاملاً مؤثراً في أمن الملاحة والتجارة الإقليمية والدولية، فموقع اليمن وفق رؤيته يمثل عمقاً إستراتيجياً للمملكة، في الوقت الذي تمثل فيه المملكة عمقاً إستراتيجياً لليمن.
وتتسع دائرة المصالح لتشمل الاقتصاد والتنمية والطاقة والتجارة وحركة الأفراد، إضافة إلى التنسيق السياسي والأمني، فالإصلاح لا يرى العلاقة مع المملكة علاقة ظرفية مرتبطة بحكومة أو مرحلة سياسية محددة، وإنما علاقة بين بلدين وشعبين تفرض الجغرافيا والتاريخ استمرارها وتطويرها.
وقد عبّر الحزب مبكراً عن هذه الرؤية حين دعا إلى تطوير العلاقات اليمنية السعودية والارتقاء بها إلى نموذج للتعاون الخليجي، مؤكداً أن المصالح المشتركة تستوجب إزالة العوائق التي تعكر صفو العلاقات، وبناء تفاهم دائم يقوم على احترام مصالح الطرفين.
وفي هذه المعادلة يصبح اليمن هو العنوان، فكل تعاون سعودي يساند استقرار اليمن ودولته ومؤسساته يلتقي مع مصلحة يمنية، وكل يمن مستقر وآمن وقادر على حماية حدوده وممراته ومقدراته يعزز في المقابل أمن المملكة ومصالحها، وهذه هي القاعدة التي يريد الإصلاح أن تقوم عليها العلاقة، مصالح مشتركة، وأمن متبادل، وجوار يتحول من عبء الأزمات إلى قوة للتعاون.
عاصفة الحزم.. نقطة التحول
وقد مثّلت عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015 محطة مفصلية في مسار العلاقة بين الإصلاح والمملكة، بعدما انتقلت الأزمة اليمنية من مرحلة الانقلاب على المسار السياسي ومؤسسات الدولة إلى مواجهة مفتوحة هددت بنية الدولة ووحدة البلاد وأمن الإقليم.
وكان الإصلاح قد تابع خلال الأشهر السابقة تصاعد تحركات الحوثيين وسيطرتهم على مؤسسات الدولة ومحافظات عدة، وصولاً إلى وضع الرئيس عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية، ثم تمدد ميليشيا الحوثيين نحو الجنوب وتصاعد المواجهات في عدن ومناطق أخرى، ليعلن في أبريل 2015 رسمياً تأييده لعاصفة الحزم التي قادتها المملكة، معتبراً أن التدخل جاء استجابة لطلب الرئيس الشرعي، وأن هدفه إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح واستعادة الأمن والاستقرار، كما حمّل الحزب الحوثيين وحلفاءهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، وأعرب عن تقديره للمملكة ودول التحالف.
ولم تكن تلك اللحظة مجرد تقاطع عسكري عابر، بل بداية مرحلة جديدة في العلاقة مع الرياض، فرضتها طبيعة المعركة على الدولة اليمنية والتهديدات التي رافقت الانقلاب، فقد أصبح الإصلاح جزءاً من المعسكر السياسي المؤيد للشرعية، بينما أصبحت المملكة الطرف الإقليمي الأبرز في دعم الحكومة اليمنية ومواجهة الانقلاب.
ومن هنا نشأت مساحة أوسع للتنسيق السياسي، خصوصاً أن الإصلاح ظل يؤكد أن هدفه النهائي هو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب والعودة إلى العملية السياسية، لا تحويل الحرب إلى غاية بحد ذاتها، لتصبح عاصفة الحزم نقطة تحول أعادت تعريف العلاقة على قاعدة عنوانها الأبرز اليمن دولته وشرعيته واستقراره، والمصالح الأمنية المشتركة التي ترتبط بذلك.
حوار مباشر
وقد بلغ التواصل السياسي بين الإصلاح والقيادة السعودية مستواً بارزاً عندما استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قيادات الحزب في الرياض، ففي نوفمبر 2017 التقى ولي العهد رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح محمد عبد الله اليدومي، وجرى خلال اللقاء بحث مستجدات الأوضاع في اليمن وعدد من القضايا المتعلقة بالساحة اليمنية.
وبعد ذلك وتحديداً في ديسمبر 2017، عقد لقاء آخر في الرياض جمع الأمير محمد بن سلمان برئيس الحزب محمد اليدومي وأمينه العام عبد الوهاب الآنسي، تناول اللقاء مستجدات الساحة اليمنية والجهود المبذولة بشأنها، في إطار ثوابت تحقيق الأمن والاستقرار للشعب اليمني.
وتكتسب هذه اللقاءات أهميتها من كونها نقلت العلاقة من مستوى الاتصالات السياسية العامة إلى حوار مباشر بين قيادة الإصلاح والقيادة السعودية بشأن القضية اليمنية، كما جاءت في مرحلة شديدة الحساسية من الحرب، بعد التطورات التي شهدتها صنعاء في أواخر 2017 ومقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وما فرضته تلك التطورات من إعادة ترتيب للأوراق السياسية والعسكرية.
وقد حملت اللقاءات دلالات أكثر عمقاً، فهي بالنسبة للإصلاح تتجاوز مجرد التشاور السياسي؛ فقد رأى الحزب فيه فرصة لشرح موقفه مباشرة للقيادة السعودية، وإزالة ما وصفه اليدومي باللبس والتشويش حول مواقف الإصلاح، وقال إن اللقاء كان أخوياً وإيجابياً، وإن من الأفضل أن «يسمع بعضنا من بعض مباشرة» بدلاً من نقل المواقف عبر طرف ثالث.
وأكد اليدومي عقب لقاء ديسمبر أن أمن اليمن ووحدته واستقراره جزء من أمن واستقرار دول الخليج والمنطقة، مشدداً على أهمية دور التحالف العربي في دعم الشرعية واستعادة الدولة، ووصف اللقاء بأنه «مثمر وإيجابي وبناء»، وقدّر اهتمام المملكة بأمن اليمن واستقراره.
الحوار المباشر بين الجانبين أتاح تجاوز كثير من التصورات المنقولة، وفتح الباب أمام تبادل المواقف بصورة أكثر وضوحاً، خصوصاً في القضايا المتعلقة بمستقبل اليمن وترتيبات المرحلة السياسية.
وبحسب الأستاذ عبد الوهاب الآنسي، فإن لقاء ديسمبر كان «نقطة تحول» بالنسبة إلى الحزب، وكشف أن اللقاء بحث أيضاً إمكان التواصل مع شخصيات من المؤتمر الشعبي العام لمواجهة الحوثيين.
شراكة مستقبلية
لقد كشفت التحولات التي أعقبت انقلاب الحوثيين أن ما يجمع البلدين أعمق من ظرف سياسي عابر، وأن الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تفرض بناء علاقة مستقرة تقوم على الاحترام والتنسيق والتكامل، وجاءت عاصفة الحزم لتفتح مرحلة جديدة من التعاون، قبل أن تتطور العلاقة إلى حوار سياسي مباشر تناول مستقبل اليمن وأمنه واستقراره.
ولا ينظر الإصلاح إلى العلاقة مع المملكة العربية السعودية باعتبارها علاقة فرضتها ظروف الحرب، أو تحالفاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء المواجهة العسكرية، بل باعتبارها علاقة بين بلدين يفرض عليهما الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة بناء شراكة مستقرة وطويلة المدى، لذلك فإن مستقبل العلاقات اليمنية السعودية يرتبط بقدرة البلدين على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح المشتركة، ويأتي في مقدمة ذلك دعم قيام دولة يمنية مستقرة وقادرة على إدارة مؤسساتها وحماية أراضيها، بما يعزز أمن اليمن ويطمئن جواره الإقليمي، كما أن تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار وإعادة الإعمار والتنمية، يمكن أن يشكل أساساً عملياً لعلاقة أكثر رسوخاً بين البلدين، كما يرى الإصلاح أن المملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وإقليمي، تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في مساندة اليمن خلال مرحلة استعادة الدولة وإعادة البناء، فيما يستطيع اليمن المستقر أن يكون شريكاً فاعلاً في حماية أمن المنطقة والممرات البحرية وتعزيز الاستقرار في الجزيرة العربية.
ومن هذا المنطلق ينظر التجمع اليمني للإصلاح إلى المملكة بوصفها دولة شقيقة وجارة، تربطها باليمن وشائج عميقة، وتجمعها به مصالح إستراتيجية لا يمكن فصلها عن أمن المنطقة واستقرارها.
وقد ظل اليمن بالنسبة إلى الإصلاح هو العنوان الأبرز في مقاربته للعلاقة مع المملكة؛ فكلما تعقدت الأوضاع اليمنية، برزت الحاجة إلى تفاهم يضع أمن اليمن واستقراره ووحدته ومؤسسات دولته في صدارة الأولويات، كما أن استقرار اليمن، وفق هذه الرؤية، لا ينفصل عن أمن المملكة ومصالحها، في ظل الجوار المباشر وتشابك الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومع التحولات التي شهدتها اليمن منذ انقلاب الحوثيين، دخلت العلاقة بين الإصلاح والمملكة مرحلة جديدة، خصوصاً عقب انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، وما رافقها من ظروف سياسية وعسكرية أعادت ترتيب المشهد اليمني والإقليمي، ومنذ ذلك الحين برزت قنوات اتصال وحوار سياسي مباشر بين قيادات الإصلاح والقيادة السعودية، لتؤكد أن اختلاف الظروف لا يلغي حقيقة المصالح المشتركة، وأن اليمن ظل القضية المركزية التي تدور حولها هذه العلاقة.
المملكة في وجدان الإصلاح
ومنذ تأسيس التجمع اليمني للإصلاح في سبتمبر 1990، لم ينظر الحزب إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها مجرد دولة جارة، تفرضها حدود مشتركة ومصالح متبادلة، وإنما باعتبارها جزءاً من المحيط العربي والإسلامي الذي يتحرك اليمن في إطاره، وبلداً ترتبط به اليمن بروابط الدين والتاريخ والجوار والتداخل الاجتماعي والمصالح المشتركة، وهذا التصور لم يبقَ في حدود الخطاب السياسي، بل انعكس في أدبيات الحزب ووثائقه ومواقفه المعلنة تجاه العلاقات الخارجية.
وقد أكد البرنامج السياسي للإصلاح أهمية تمتين الروابط وتطوير التعاون مع دول الجوار في الجزيرة والخليج، بما يحفظ أمن المنطقة ويحقق المصالح المشتركة، فيما خصصت أدبيات الحزب للعلاقة اليمنية السعودية مساحة واضحة، باعتبارها علاقة ذات خصوصية إستراتيجية، كما وصف البيان الختامي للمؤتمر العام الثاني للإصلاح العلاقات اليمنية السعودية بأنها ذات جذور تاريخية، تقوم على الدين والجوار والتاريخ واللغة والمصالح المشتركة والمصير الواحد، ودعا إلى الارتقاء بها إلى مستوى التفاهم والتنسيق والتكامل.
ويرى الإصلاح أن المملكة تمثل عمقاً إستراتيجياً لليمن، بحكم مكانتها وثقلها العربي والإسلامي، ووجود المقدسات الإسلامية على أراضيها، فضلاً عن تداخل المصالح بين البلدين، وفي المقابل فإن اليمن بموقعه الجغرافي وامتداده السكاني والاجتماعي، يمثل عمقاً مهماً للمملكة، لذلك فقد ظل خطاب الإصلاح يؤكد أن العلاقة بين البلدين ينبغي أن تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة، وأن استقرار أحدهما لا يمكن عزله عن استقرار الآخر.
يمنٌ مستقر.. وسعوديةٌ آمنة
وينطلق الإصلاح في رؤيته للعلاقة اليمنية السعودية من حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاوزها، كونهما بلدين متجاورين تتداخل حدودهما ومصالحهما وشعوبهما، بحيث يصبح أمن كل منهما متصلاً بصورة مباشرة بأمن الآخر، ولذلك لا يتعامل الحزب مع أمن اليمن وأمن المملكة كملفين منفصلين، بل يراهما جزءاً من منظومة واحدة في الجزيرة العربية، تتطلب التعاون والتنسيق وتبادل المصالح.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في الوثائق السياسية للإصلاح التي تؤكد ضرورة تمتين علاقات اليمن مع دول الجوار في الجزيرة والخليج، وتجنيب المنطقة أسباب التوتر والهيمنة، بما يحفظ أمنها ويحقق المصالح الأساسية لشعوبها، كما تنص البيانات السياسية للحزب على أن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على حسن الجوار والاحترام المتبادل والتعاون، وهي مبادئ يرى الإصلاح أنها تنطبق بصورة خاصة على علاقة اليمن بالمملكة.
ومن منظور الإصلاح فإن اليمن الذي يستعيد دولته ومؤسساته ووحدته واستقراره لا يمثل مصلحة يمنية فحسب، بل يضيف إلى أمن محيطه الإقليمي، وفي مقدمته المملكة، وفي الاتجاه المقابل فإن وجود المملكة كدولة مستقرة ذات ثقل سياسي واقتصادي وإقليمي يمثل عنصراً مهماً في البيئة التي يحتاجها اليمن للخروج من أزماته وإعادة بناء مؤسساته.
ولهذا يربط الإصلاح بين استعادة الدولة اليمنية وحماية أمن المنطقة، ويرى أن مواجهة الانقلاب الحوثي ليست شأناً داخلياً محضاً، بالنظر إلى انعكاساته على أمن الجوار والممرات البحرية والمصالح الإقليمية، وقد أكد الحزب في مواقفه أن دعم الشرعية بالنسبة إليه هو دعم لفكرة الدولة، وأن تقوية مؤسساتها مصلحة وطنية تتجاوز المكاسب الحزبية، وهكذا فإن معادلة الإصلاح تقوم على قاعدة واضحة، يمن مستقر وقوي بدولته ومؤسساته، ومملكة آمنة مستقرة، يمثلان مصلحة مشتركة للبلدين والمنطقة.
الجوار الذي يجمع المصالح
ولا يختصر الإصلاح أهمية المملكة بالنسبة لليمن في بعدها السياسي أو الأمني، كما لا ينظر إلى اليمن بالنسبة للمملكة من زاوية الحدود وحدها، فالعلاقة في رؤيته شبكة واسعة من المصالح والروابط التي صنعتها الجغرافيا ورسخها التاريخ وعمقها التداخل الاجتماعي والاقتصادي بين الشعبين.
فالمملكة هي الجار الأكبر لليمن، وتجمع البلدين حدود طويلة وتواصل اجتماعي ممتد، فضلاً عن وجود جالية يمنية كبيرة في المملكة، وما يرتبط بذلك من مصالح اقتصادية ومعيشية وإنسانية، كما أن المملكة تمثل مركزاً اقتصادياً وسياسياً مهماً في المنطقة، فيما يمتلك اليمن موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية، يشرف على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وهو ما يجعل استقرار اليمن عاملاً مؤثراً في أمن الملاحة والتجارة الإقليمية والدولية، فموقع اليمن وفق رؤيته يمثل عمقاً إستراتيجياً للمملكة، في الوقت الذي تمثل فيه المملكة عمقاً إستراتيجياً لليمن.
وتتسع دائرة المصالح لتشمل الاقتصاد والتنمية والطاقة والتجارة وحركة الأفراد، إضافة إلى التنسيق السياسي والأمني، فالإصلاح لا يرى العلاقة مع المملكة علاقة ظرفية مرتبطة بحكومة أو مرحلة سياسية محددة، وإنما علاقة بين بلدين وشعبين تفرض الجغرافيا والتاريخ استمرارها وتطويرها.
وقد عبّر الحزب مبكراً عن هذه الرؤية حين دعا إلى تطوير العلاقات اليمنية السعودية والارتقاء بها إلى نموذج للتعاون الخليجي، مؤكداً أن المصالح المشتركة تستوجب إزالة العوائق التي تعكر صفو العلاقات، وبناء تفاهم دائم يقوم على احترام مصالح الطرفين.
وفي هذه المعادلة يصبح اليمن هو العنوان، فكل تعاون سعودي يساند استقرار اليمن ودولته ومؤسساته يلتقي مع مصلحة يمنية، وكل يمن مستقر وآمن وقادر على حماية حدوده وممراته ومقدراته يعزز في المقابل أمن المملكة ومصالحها، وهذه هي القاعدة التي يريد الإصلاح أن تقوم عليها العلاقة، مصالح مشتركة، وأمن متبادل، وجوار يتحول من عبء الأزمات إلى قوة للتعاون.
عاصفة الحزم.. نقطة التحول
وقد مثّلت عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015 محطة مفصلية في مسار العلاقة بين الإصلاح والمملكة، بعدما انتقلت الأزمة اليمنية من مرحلة الانقلاب على المسار السياسي ومؤسسات الدولة إلى مواجهة مفتوحة هددت بنية الدولة ووحدة البلاد وأمن الإقليم.
وكان الإصلاح قد تابع خلال الأشهر السابقة تصاعد تحركات الحوثيين وسيطرتهم على مؤسسات الدولة ومحافظات عدة، وصولاً إلى وضع الرئيس عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية، ثم تمدد ميليشيا الحوثيين نحو الجنوب وتصاعد المواجهات في عدن ومناطق أخرى، ليعلن في أبريل 2015 رسمياً تأييده لعاصفة الحزم التي قادتها المملكة، معتبراً أن التدخل جاء استجابة لطلب الرئيس الشرعي، وأن هدفه إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح واستعادة الأمن والاستقرار، كما حمّل الحزب الحوثيين وحلفاءهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، وأعرب عن تقديره للمملكة ودول التحالف.
ولم تكن تلك اللحظة مجرد تقاطع عسكري عابر، بل بداية مرحلة جديدة في العلاقة مع الرياض، فرضتها طبيعة المعركة على الدولة اليمنية والتهديدات التي رافقت الانقلاب، فقد أصبح الإصلاح جزءاً من المعسكر السياسي المؤيد للشرعية، بينما أصبحت المملكة الطرف الإقليمي الأبرز في دعم الحكومة اليمنية ومواجهة الانقلاب.
ومن هنا نشأت مساحة أوسع للتنسيق السياسي، خصوصاً أن الإصلاح ظل يؤكد أن هدفه النهائي هو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب والعودة إلى العملية السياسية، لا تحويل الحرب إلى غاية بحد ذاتها، لتصبح عاصفة الحزم نقطة تحول أعادت تعريف العلاقة على قاعدة عنوانها الأبرز اليمن دولته وشرعيته واستقراره، والمصالح الأمنية المشتركة التي ترتبط بذلك.
حوار مباشر
وقد بلغ التواصل السياسي بين الإصلاح والقيادة السعودية مستواً بارزاً عندما استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قيادات الحزب في الرياض، ففي نوفمبر 2017 التقى ولي العهد رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح محمد عبد الله اليدومي، وجرى خلال اللقاء بحث مستجدات الأوضاع في اليمن وعدد من القضايا المتعلقة بالساحة اليمنية.
وبعد ذلك وتحديداً في ديسمبر 2017، عقد لقاء آخر في الرياض جمع الأمير محمد بن سلمان برئيس الحزب محمد اليدومي وأمينه العام عبد الوهاب الآنسي، تناول اللقاء مستجدات الساحة اليمنية والجهود المبذولة بشأنها، في إطار ثوابت تحقيق الأمن والاستقرار للشعب اليمني.
وتكتسب هذه اللقاءات أهميتها من كونها نقلت العلاقة من مستوى الاتصالات السياسية العامة إلى حوار مباشر بين قيادة الإصلاح والقيادة السعودية بشأن القضية اليمنية، كما جاءت في مرحلة شديدة الحساسية من الحرب، بعد التطورات التي شهدتها صنعاء في أواخر 2017 ومقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وما فرضته تلك التطورات من إعادة ترتيب للأوراق السياسية والعسكرية.
وقد حملت اللقاءات دلالات أكثر عمقاً، فهي بالنسبة للإصلاح تتجاوز مجرد التشاور السياسي؛ فقد رأى الحزب فيه فرصة لشرح موقفه مباشرة للقيادة السعودية، وإزالة ما وصفه اليدومي باللبس والتشويش حول مواقف الإصلاح، وقال إن اللقاء كان أخوياً وإيجابياً، وإن من الأفضل أن «يسمع بعضنا من بعض مباشرة» بدلاً من نقل المواقف عبر طرف ثالث.
وأكد اليدومي عقب لقاء ديسمبر أن أمن اليمن ووحدته واستقراره جزء من أمن واستقرار دول الخليج والمنطقة، مشدداً على أهمية دور التحالف العربي في دعم الشرعية واستعادة الدولة، ووصف اللقاء بأنه «مثمر وإيجابي وبناء»، وقدّر اهتمام المملكة بأمن اليمن واستقراره.
الحوار المباشر بين الجانبين أتاح تجاوز كثير من التصورات المنقولة، وفتح الباب أمام تبادل المواقف بصورة أكثر وضوحاً، خصوصاً في القضايا المتعلقة بمستقبل اليمن وترتيبات المرحلة السياسية.
وبحسب الأستاذ عبد الوهاب الآنسي، فإن لقاء ديسمبر كان «نقطة تحول» بالنسبة إلى الحزب، وكشف أن اللقاء بحث أيضاً إمكان التواصل مع شخصيات من المؤتمر الشعبي العام لمواجهة الحوثيين.
شراكة مستقبلية
لقد كشفت التحولات التي أعقبت انقلاب الحوثيين أن ما يجمع البلدين أعمق من ظرف سياسي عابر، وأن الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تفرض بناء علاقة مستقرة تقوم على الاحترام والتنسيق والتكامل، وجاءت عاصفة الحزم لتفتح مرحلة جديدة من التعاون، قبل أن تتطور العلاقة إلى حوار سياسي مباشر تناول مستقبل اليمن وأمنه واستقراره.
ولا ينظر الإصلاح إلى العلاقة مع المملكة العربية السعودية باعتبارها علاقة فرضتها ظروف الحرب، أو تحالفاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء المواجهة العسكرية، بل باعتبارها علاقة بين بلدين يفرض عليهما الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة بناء شراكة مستقرة وطويلة المدى، لذلك فإن مستقبل العلاقات اليمنية السعودية يرتبط بقدرة البلدين على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح المشتركة، ويأتي في مقدمة ذلك دعم قيام دولة يمنية مستقرة وقادرة على إدارة مؤسساتها وحماية أراضيها، بما يعزز أمن اليمن ويطمئن جواره الإقليمي، كما أن تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار وإعادة الإعمار والتنمية، يمكن أن يشكل أساساً عملياً لعلاقة أكثر رسوخاً بين البلدين، كما يرى الإصلاح أن المملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وإقليمي، تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في مساندة اليمن خلال مرحلة استعادة الدولة وإعادة البناء، فيما يستطيع اليمن المستقر أن يكون شريكاً فاعلاً في حماية أمن المنطقة والممرات البحرية وتعزيز الاستقرار في الجزيرة العربية.













