> عدن «الأيام» خاص:

  • ​معارك باب المندب تدخل مرحلة الاستنزاف

مقتل قائد الـ «مغاوير» ووحدات حوثية عالقة واضطراب خطوط الإمداد
وصول العمالقة وقبائل الصبيحة إلى الحدود السابقة بين الشمال والجنوب
 دخلت المعارك الدائرة في المثلث الممتد بين باب المندب وكهبوب والمضاربة والوازعية مرحلة جديدة من الاستنزاف العسكري، بعد أن تمكنت القوات الجنوبية والمقاومة المحلية، بمساندة رجال قبائل الصبيحة، من وقف الاندفاعة الحوثية باتجاه عمق محافظة لحج واستعادة عدد من المرتفعات والمواقع الحاكمة.

وتزامنت هذه التطورات مع تداول منشورات ميدانية تحدثت عن وصول قوات العمالقة الجنوبية وقبائل الصبيحة إلى مواقع مطلة على باب المندب، وسط معلومات عن وقوع وحدات حوثية في وضع ميداني بالغ الصعوبة واضطراب خطوط إمدادها القادمة من المخا وذباب.

وأظهرت تطورات الساعات الماضية أن المكاسب السريعة التي حققتها جماعة الحوثي على الساحل الغربي، إثر سقوط المخا وذباب وجزيرة ميون، لم تمنحها القدرة نفسها على مواصلة التقدم داخل المناطق الجنوبية، حيث اصطدمت في كهبوب والأغبرة والمضاربة بمقاومة أكثر تنظيمًا، استفادت من طبيعة الأرض الجبلية ومن الإسناد الجوي والمدفعي.

وتداول ناشطون ومصادر محلية، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تسجيلات ومعلومات عن معارك عنيفة وهجمات مضادة شهدتها الجبهات القريبة من باب المندب، تحدث بعضها عن تكبد الحوثيين خسائر بشرية ومادية كبيرة، وعن عجز عدد من وحداتهم عن التقدم أو الانسحاب، بعدما أصبحت طرق الإمداد والتحرك تحت نيران القوات المدافعة والطيران.

وبحسب مصادر عسكرية نقلت عنها وسائل إعلام عربية، تمكنت القوات الجنوبية والحكومية، مسنودة بمقاتلين من قبائل الصبيحة، من السيطرة على جبل البازلة الاستراتيجي وموقعي الضهورة والصيبارا في جبهة الأغبرة، عقب مواجهات استمرت ساعات واستخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة.

وتكتسب هذه المواقع أهميتها من إشرافها على طرق فرعية ومحاور جبلية حاول الحوثيون استخدامها للالتفاف على الدفاعات الرئيسية وفتح مسارات باتجاه المضاربة ورأس العارة، بما يهدد الطريق الساحلي الرابط بين باب المندب والعاصمة عدن.

وتزامناً مع الإعلان عن استعادة هذه المواقع، تداول ناشطون ثلاثة منشورات على موقع «فيسبوك» تضمنت صوراً ومعلومات عن تقدم قوات العمالقة الجنوبية ورجال قبائل الصبيحة في المحور الممتد بين كهبوب والمضاربة وباب المندب.

وزعم أحد المنشورات أن قوات العمالقة والمقاومة الجنوبية، بمساندة رجال قبائل الصبيحة، استعادت السيطرة الكاملة على منطقة باب المندب، ووصلت إلى آخر نقطة من الخط الحدودي السابق بين شطري اليمن قبل تحقيق الوحدة في عام 1990م.

وأُرفق المنشور بصورة تظهر موقعًا جبليًا مرتفعًا يطل بصورة مباشرة على الساحل ومياه المضيق، في محاولة لإثبات وصول القوات الجنوبية إلى إحدى النقاط الحاكمة المطلة على باب المندب.

ولا تثبت الصورة المتداولة، بمفردها، مكان التقاطها أو توقيتها، وإن كانت طبيعة الموقع الظاهر فيها تتوافق بصورة عامة مع التضاريس الجبلية والساحلية المحيطة بالمضيق.

وأفادت المصادر بأن القوات المدافعة لم تكتفِ بصد الهجمات، بل انتقلت إلى تنفيذ عمليات محدودة لاستعادة المرتفعات وتضييق مساحة تحرك الوحدات الحوثية، بالتزامن مع تكثيف القصف المدفعي والجوي على التعزيزات القادمة من اتجاه ذباب والمخا.

وفي جبهة كهبوب، المطلة على المداخل الشرقية لمضيق باب المندب، أحبطت القوات الجنوبية هجمات حوثية متعاقبة استهدفت السيطرة على المرتفعات الحاكمة، في محاولة لفتح الطريق نحو مناطق الصبيحة وإبعاد القوات المدافعة عن خطوط الساحل.

وأكدت مصادر عسكرية أن المعارك التي دارت في المنطقة خلال 24 ساعة أوقعت أكثر من 40 قتيلًا من الطرفين، بينهم 19 جنديًا من القوات الحكومية وما لا يقل عن 25 عنصرًا حوثيًا، إضافة إلى عشرات الجرحى.

وتعذر التحقق بصورة مستقلة من الحصيلة النهائية بسبب استمرار المواجهات وصعوبة الوصول إلى عدد من المواقع الجبلية.

ونقلت وكالة شينخوا عن مسؤولين عسكريين من الطرفين أن السيطرة على بعض المرتفعات انتقلت أكثر من مرة خلال الهجمات والهجمات المضادة، من دون تمكن أي طرف، حتى ذلك الوقت، من تحقيق اختراق حاسم.

وتزامنت المعارك مع مقتل قائد ما يسمى «اللواء الأول مغاوير» في جماعة الحوثي، اللواء فراق محسن العصار المكنى «أبو صقر القفر»، وستة من مرافقيه، في غارة جوية استهدفتهم قرب جبهة كهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن العصار كان يشرف على العمليات الهجومية التي تنفذها وحدات حوثية باتجاه المرتفعات المطلة على باب المندب.

وسبق للقيادي الحوثي المشاركة في معارك مأرب والحملات العسكرية التي شنتها الجماعة في مديريتي السدة والنادرة بمحافظة إب، كما تولى خلال الأشهر الماضية حشد مئات المقاتلين وإرسالهم إلى جبهات القتال.

ويُعد مقتله ضربة للقيادة الميدانية الحوثية في كهبوب، ولا سيما أن الغارة استهدفت مجموعة القيادة والمرافقين، بما يرجح حصول القوات الحكومية والطيران على معلومات دقيقة عن تحركات القيادات ومسارات وصول التعزيزات إلى المنطقة.

وفي مؤشر على حجم الضغوط داخل صفوف الجماعة، تداول ناشطون منشوراً منسوباً إلى القيادي الحوثي حسين الأملحي يطالب فيه قيادة الجماعة بالكشف عن قتلى صنعاء والعمل على فك الحصار عن الألوية الموجودة في باب المندب ويافع، قبل أن يُحذف المنشور لاحقاً.

ولا يمكن اعتبار المنشور المحذوف بيانًا رسميًا أو دليلًا مستقلًا على وقوع حصار شامل، إلا أن مضمونه يتقاطع مع روايات ميدانية متعددة تتحدث عن صعوبة وصول الإمدادات إلى بعض الوحدات الحوثية المتقدمة، وارتفاع الخسائر في صفوف المقاتلين الذين دُفع بهم إلى المرتفعات تحت غطاء ناري كثيف.

وفي المقابل، لم يبقَ المنشور الذي أعلن سيطرة العمالقة وقبائل الصبيحة على باب المندب متاحًا سوى نحو ساعة واحدة قبل أن يحذفه صاحبه، وفقًا لمصادر تابعت الحساب، من دون توضيح أسباب الحذف أو صدور بيان عسكري رسمي يؤكد المعلومات الواردة فيه.

وقد يكون حذف المنشور مرتبطًا بحساسية المعلومات العسكرية والمواقع الجغرافية للقوات، أو بعدم حصول ناشره على تصريح بنشر تفاصيل التحركات الميدانية. كما لا يمكن استبعاد أن يكون الحذف ناجماً عن التسرع في إعلان السيطرة قبل اكتمال العمليات أو التثبت من نطاق التقدم.

ويكشف حذف منشورات من الطرفين حجم الحرب الإعلامية والأمنية المصاحبة للمعركة، ومدى حساسية نشر المعلومات المتعلقة بالمواقع والخسائر وتحركات الوحدات.

كما يعكس حذف المنشور المنسوب إلى القيادي الحوثي حساسية المعلومات المتعلقة بالخسائر البشرية ووضع الوحدات المقاتلة، في وقت تحرص فيه الجماعة على تصوير تقدمها في الساحل باعتباره نصرًا عسكريًا متكاملًا، وتفرض قيودًا مشددة على نشر أسماء القتلى أو تفاصيل الوحدات التي تتعرض للحصار أو تفقد الاتصال بقياداتها.

وتحدثت منشورات متداولة أخرى عن وصول جثامين قتلى وجرحى إلى صنعاء ومحافظات خاضعة لسيطرة الجماعة، وعن حالة تذمر بين أسر المقاتلين نتيجة تأخر إعلان مقتل أبنائها أو تقديم معلومات عن مصيرهم.

غير أن «الأيام» لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الأعداد الواردة في هذه المنشورات، في ظل غياب بيانات رسمية مفصلة من الطرفين.

وكان المتحدث العسكري للحوثيين قد أعلن تعرض مناطق سيطرة الجماعة لعشرات الغارات الجوية، مشيرًا في بيان أول إلى تنفيذ 37 غارة على محافظتي تعز وحجة، قبل أن تتحدث الجماعة لاحقًا عن 26 غارة خلال 24 ساعة ونحو 300 غارة خلال أسبوع.

وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية مقتل 30 عنصرًا حوثيًا وإصابة أكثر من 60 آخرين في مواجهات الوازعية، بالتزامن مع استمرار المعارك في كهبوب والمضاربة ومأرب، وفقاً لما أوردته الجزيرة الإنجليزية.

وتشير كثافة الغارات إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على منع الحوثيين من التقدم المباشر، بل انتقلت إلى استهداف مراكز القيادة والتجمعات ومخازن الذخيرة وطرق الإمداد، بهدف عزل القوات الموجودة في الخطوط الأمامية عن قواعدها الخلفية في المخا والحديدة.

وتواجه الجماعة معضلة جغرافية وعسكرية في الاحتفاظ بالشريط الساحلي الممتد من الحديدة إلى المخا وذباب وميون، إذ يزيد طول هذا الخط على 300 كيلومتر ويمر في مناطق مكشوفة يسهل رصد التحركات العسكرية فيها واستهدافها جواً.

كما تعتمد القوات الحوثية الموجودة في جزيرة ميون على إمدادات بحرية وبرية تنطلق من ذباب، ما يجعل بقاء الطريق بين المخا وذباب مفتوحاً ضرورة عسكرية.

وأي تقدم للقوات الجنوبية من كهبوب باتجاه ذباب سيعرض الوحدات الحوثية المنتشرة في الجزيرة لخطر العزل وقطع الإمداد.

ويفسر ذلك شدة الهجمات الحوثية على مرتفعات كهبوب، فالسيطرة عليها لا توفر للجماعة مجرد موقع دفاعي، بل تحمي جناحها الشرقي وتبعد القوات الجنوبية عن الطريق الساحلي المؤدي إلى ذباب وميون.

وفي المقابل، فإن احتفاظ القوات الجنوبية بكهبوب واستعادة مواقع جديدة في الأغبرة يتيحان لها مراقبة حركة التعزيزات الحوثية، ويمنحانها قاعدة متقدمة لشن عمليات باتجاه ذباب والوازعية، شريطة استمرار الإسناد الجوي وتوحيد القيادة الميدانية.

ويحمل وصول القوات الجنوبية إلى المواقع الواقعة عند الخط الحدودي السابق بين الشمال والجنوب، إذا تأكد رسمياً، دلالة عسكرية وسياسية ومعنوية كبيرة.

وتنظر القوات الجنوبية وقبائل الصبيحة إلى تلك المنطقة بوصفها البوابة الشمالية الغربية للجنوب وخط الدفاع الأول عن لحج وعدن، في حين يمثل اجتيازها من قبل الحوثيين تهديداً مباشراً للمضاربة ورأس العارة والطريق الساحلي المؤدي إلى عدن.

غير أن القيمة العسكرية لهذه المواقع ستظل مرتبطة بقدرة القوات على تثبيت سيطرتها وتأمين طرق الإمداد وإقامة دفاعات ثابتة، ومنع الحوثيين من تنفيذ عمليات التفاف أو إرسال تعزيزات جديدة من المخا وذباب.

ولا يزال غياب بيانات تفصيلية من قيادة القوات المشتركة أو قوات العمالقة الجنوبية يجعل من الصعب الجزم باستعادة «باب المندب بالكامل»، خصوصاً أن هذا الوصف قد يشمل نطاقاً جغرافياً واسعاً يضم ذباب والساحل المقابل وجزيرة ميون والمرتفعات المشرفة على المضيق.

وعليه، فإن الأدق ميدانياً هو القول إن القوات الجنوبية والحكومية وقبائل الصبيحة استعادت مواقع ومرتفعات استراتيجية مشرفة على باب المندب، ونجحت في إيقاف التقدم الحوثي باتجاه عمق محافظة لحج، فيما لا تزال المعلومات عن استعادة ذباب وجزيرة ميون ومنطقة المضيق بالكامل بحاجة إلى تأكيد عسكري رسمي ومستقل.

وكانت القوات المناهضة للحوثيين قد تعرضت لانتكاسة كبيرة عقب انهيار أكثر من 15 لواءً وانسحاب نحو 30 ألف مقاتل من جبهات الساحل، ما أدى إلى سقوط المخا ومواقع واسعة من الساحل الغربي.

وأرجعت تقارير دولية الانهيار إلى ضعف القيادة والسيطرة، والانقسامات الداخلية، وتراجع المعنويات وغياب التنسيق، أكثر من كونه نتيجة تفوق عددي حاسم للحوثيين، بحسب صحيفة الغارديان.

وقالت قوات المقاومة الوطنية إن انسحابها جاء لتجنب الحصار بعد مقتل نحو 500 من جنودها، بينما أثارت سرعة سقوط المخا وترك كميات من الأسلحة والعتاد موجة غضب واسعة ومطالبات بفتح تحقيق عسكري مستقل في أسباب الانهيار والمسؤولين عنه.

وتشير التطورات اللاحقة إلى أن وقف التقدم الحوثي في لحج تحقق بعد دخول قوات أكثر معرفة بجغرافية المنطقة، ومشاركة قبائل الصبيحة، وإعادة تفعيل الطيران والمدفعية والصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة ضد التجمعات والتعزيزات.

وتعزز هذه التطورات الاستنتاج بأن الاندفاعة الحوثية باتجاه الجنوب أُوقفت عند سلسلة المرتفعات المحيطة بكهبوب والمضاربة، وأن الجماعة انتقلت من مرحلة التقدم السريع إلى مواجهة دفاعات محلية أكثر تماسكًا، تستند إلى معرفة قبائل الصبيحة بالأرض وإلى القوة القتالية لقوات العمالقة الجنوبية والإسناد الجوي والمدفعي.

وعلى المستوى الإنساني، أدت المعارك إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من مناطق ذباب والوازعية والمضاربة ومحيط باب المندب، واتجه بعضهم نحو عدن ولحج، بينما عبر آخرون البحر إلى جيبوتي في قوارب صغيرة.

وتراوحت تقديرات أعداد النازحين بين 19 ألفًا، وفق إحصاءات أولية مرتبطة ببعض مناطق القتال، وأكثر من 125 ألف شخص على مستوى اليمن منذ بدء التصعيد في مطلع سبتمبر، ما يعكس اختلاف نطاق الرصد والفترات التي تغطيها التقديرات.

وأكد مجلس الأمن الدولي أن تقدم الحوثيين قرب باب المندب، إلى جانب هجماتهم على السعودية وتهديداتهم للملاحة الدولية، ينذر بتوسيع الصراع وتقويض أمن البحر الأحمر والتجارة العالمية.

وطالب المجلس بوقف الهجمات، معبراً عن تضامنه مع السعودية ومؤكدًا حقها في الدفاع عن أراضيها.

ولا تعني استعادة جبل البازلة والضهورة والصيبارا والمرتفعات الأخرى المطلة على باب المندب أن القوات الجنوبية باتت قادرة فورًا على استعادة المخا وميون، لكنها تكشف أن الاندفاعة الحوثية فقدت زخمها الأول، وأن المعركة تحولت من تقدم خاطف إلى حرب استنزاف طويلة تتطلب من الجماعة حماية مواقع متناثرة وخط إمداد ساحلي مكشوف.

وسيظل ميزان المعركة مرتبطاً بقدرة القوات الجنوبية والحكومية على الانتقال من الدفاع الموضعي إلى قيادة موحدة تدير جبهات كهبوب والوازعية والمضاربة وباب المندب ضمن خطة واحدة، وبمدى قدرتها على منع الحوثيين من تثبيت التحصينات ونشر الصواريخ والطائرات المسيّرة في المناطق الساحلية.

أما استمرار تعدد غرف العمليات وتضارب الأوامر وغياب التنسيق، فقد يمنح الحوثيين فرصة لإعادة تنظيم قواتهم واستيعاب خسائرهم وشن هجمات جديدة.

ولذلك تمثل معارك كهبوب والأغبرة اختبارًا حاسمًا: إما أن تكون بداية لاستعادة المبادرة وقطع الطريق بين المخا وذباب وميون، أو تتحول إلى خط دفاع ثابت يمنح الحوثيين الوقت لترسيخ سيطرتهم على الساحل.

وبينما لا تزال المعلومات المتداولة عن حصار ألوية حوثية واستعادة باب المندب بالكامل بحاجة إلى تأكيد رسمي مستقل، فإن الخسائر المعلنة، ومقتل قائد «اللواء الأول مغاوير»، وتكرار محاولات اقتحام كهبوب، وكثافة الضربات على طرق الإمداد، تؤكد مجتمعة أن المعركة عند البوابة الشمالية الغربية للجنوب لم تُحسم.

كما تؤكد أن السيطرة على المخا وميون لم تفتح للحوثيين طريقاً آمناً نحو لحج وعدن، بل أدخلتهم في جبهة أكثر تعقيداً وكلفة مما توقعوا.