أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:01 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • قبل أن تُفرض التسوية.. تعالوا إلى كلمة سواء

    نبيل خالد ميسري




    لم يعد الجنوب يحتمل جولة أخرى من الغلبة، ولا اليمن يحتمل مزيدًا من المشاريع التي تبدأ باسم الناس وتنتهي بعيدًا عنهم. لقد تعب المواطن من الوعود، وتعبت عدن من الانتظار، وتعبت المحافظات من أن تكون ساحة لصراع الآخرين، أو رقمًا في ترتيبات لا ترى وجع الناس ولا تسمع أنينهم.

    اليوم نحن أمام فرصة قد لا تتكرر. فالمملكة تتحرك نحو حوار جنوبي، والمنطقة كلها تعيد ترتيب حساباتها، والقوى السياسية والعسكرية تدرك أن لا أحد يستطيع أن يفرض مشروعه وحده مهما امتلك من قوة أو شرعية أو دعم. ومن لا يقرأ هذه اللحظة بعقل ومسؤولية، قد يجد نفسه غدًا أمام تسوية تُصاغ باسمه، لكنها لا تخدمه ولا تخدم شعبه.

    ومن هنا، فإن الوثيقة الكاملة والملحق الشامل ووثيقة المبادئ التي طرحناها ليست مشروعًا ضد أحد، ولا دعوة لإقصاء أحد، ولا محاولة لانتزاع مكان أحد. إنها دعوة إلى أن نجتمع قبل أن يُجمعنا الآخرون وفق حساباتهم. دعوة إلى أن نضع الجنوب وأهله فوق الأحزاب والمكونات والمصالح والارتباطات.

    نقول لأحزاب الشرعية: هذه الأرضية لا تلغيكم، بل تمنحكم فرصة للخروج من عبء الفشل، والعودة إلى الناس من باب الإصلاح والشراكة وخدمة المواطن.

    ونقول للمجلس الانتقالي: هذه الأرضية لا تنتقص من حضوركم ولا من تضحيات قواعدكم، بل تحميكم من العزلة، وتحوّل قوتكم إلى ضمانة ضمن شراكة عادلة، لا إلى سبب جديد للخوف والانقسام.

    ونقول للقوى الجنوبية الأخرى والمستقلين والكفاءات والشباب والمرأة: هذه فرصتكم كي لا يبقى الجنوب محصورًا بين من يملك السلاح ومن يملك المنصب، بل يصبح ملكًا لكل أبنائه.

    ونقول للمملكة والراعي الإقليمي والدولي: إن أي حوار لا يطمئن الجميع سيبقى ناقصًا، وأي تسوية لا تبدأ من حياة الناس ستظل هشة. فالاستقرار لا يُبنى بتوزيع المواقع فقط، بل بإعادة الكهرباء والماء والرواتب والأمن والعدل والثقة.

    إن مشروعنا لا يطلب من أحد أن يتخلى عن قناعته النهائية، ولا يفرض شكل الدولة القادم، ولا يصادر حق الناس في تقرير مصيرهم. لكنه يقول للجميع: فلنتفق أولًا على منع الصدام، وعلى حماية عدن، وعلى إنقاذ الخدمات، وعلى محاربة الفساد، وعلى تمثيل المحافظات بعدل، وعلى أن يكون المواطن حاضرًا في كل تسوية لا شاهدًا عليها فقط.

    فالجنوب ليس غنيمة طرف، ولا الشرعية ملك حزب، ولا القضية الجنوبية ملك مكون واحد، ولا عدن ساحة اختبار للفشل. الجنوب بيت واسع، من ضاق صدره بإخوته ضاق به المستقبل كله.

    إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس اختلاف المشاريع، بل غياب الأرضية الجامعة بينها. فالاختلاف يمكن تنظيمه، أما الانقسام إذا تُرك بلا عقل فقد يتحول إلى لعنة تطارد الجميع. ولا أحد سيربح من جنوب ممزق، لا الشرعية، ولا الانتقالي، ولا القوى المستقلة، ولا المملكة، ولا المواطن البسيط الذي يريد راتبه وكهرباء بيته وأمان أولاده.

    لذلك نقولها بصدق ومسؤولية: تعالوا إلى كلمة سواء. تعالوا نجعل من هذه الوثيقة أرضية للحوار، لا وثيقة مغلقة. نأخذ منها ما يجمع، ونضيف إليها ما يطمئن، ونطوّرها بما يضمن مشاركة الجميع. المهم ألا نذهب إلى الحوار القادم متفرقين، كل طرف يحمل خوفه وحساباته، بينما يُترك الجنوب بلا صوت جامع.

    إن قبول هذه الأرضية اليوم ليس تنازلًا من أحد، بل نجاة للجميع. أما انتظار التسوية المفروضة، فقد يجعل كل طرف يكتشف متأخرًا أنه خسر أكثر مما ظن أنه سيكسب.

    هذه ليست لحظة انتصار طرف على طرف. هذه لحظة إنقاذ وطن، وحماية قضية، ورحمة بالناس. ومن لا يسمع وجع الناس اليوم، سيسمع حكم التاريخ غدًا.

    * نائب وزير الخارجية الأسبق

المزيد من مقالات (نبيل خالد ميسري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال