لا تستطيع الدول أن تبني مستقبلها إذا ظلت أسيرة إدارة الأزمات اليومية. فالحكومات التي تنجح في تحقيق التحولات الكبرى ليست تلك التي تكتفي بمعالجة مشكلات الحاضر، بل تلك التي تمتلك القدرة على استشراف المستقبل والاستعداد له. ومن هنا أصبحت منهجية "المسارات" إحدى أهم أدوات التفكير الاستراتيجي في العالم، لأنها لا تسعى إلى التنبؤ بالمستقبل، وإنما إلى رسم مسارات محتملة تساعد صناع القرار والمجتمع على إدراك الخيارات المتاحة ونتائج كل خيار.
وبالنسبة لبلادنا، التي صارت عنوان كل "الأزمات": كهرباء، تعليم، مياه، صحة، طرق، ضمير، سيادة، فساد، حقوق، فقر، أمن.. أصبح الهمُّ الشاغل هو أي "وطن" نريد أن نراه في المستقبل. وهذا الهمُّ يقتضي النظر إلى المستقبل بوصفه مجموعة من الاحتمالات، لا قدرًا محتومًا.
- المسار الأول: استمرار الحلقة المفرغة
يقوم هذا المسار على افتراض استمرار الأوضاع الحالية دون إصلاحات جوهرية، بحيث تستمر الانقسامات السياسية، وتبقى مؤسسات الدولة ضعيفة، ويتواصل تراجع الاقتصاد والخدمات العامة.
وفي ظل هذا المسار، سيظل النمو الاقتصادي محدودًا للغاية، وستتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وستتوسع دوائر الفقر والبطالة، بينما يستمر نزيف الكفاءات ورأس المال البشري. كما ستزداد هشاشة الإدارة العامة، وتتراجع أكثر فأكثر فرص الاستثمار، ويتحول الاقتصاد إلى اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على المساعدات والتحويلات الخارجية والأنشطة غير الرسمية.
ويمثل هذا المسار امتدادًا للأزمة أكثر من كونه حلًا لها، لأنه يعيد إنتاج أسباب الضعف عامًا بعد عام.
- المسار الثاني: التعافي الجزئي
يفترض هذا المسار نجاح الأطراف المختلفة في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني يسمح بإطلاق إصلاحات تدريجية في الاقتصاد والإدارة العامة، مع استمرار بعض التحديات البنيوية.
وقد تشهد البلاد في هذا المسار تحسنًا نسبيًا في الخدمات العامة، وعودة جزء من الاستثمارات، وتحسنًا طفيفًا في بيئة الأعمال، وارتفاعًا تدريجيًا في معدلات النمو. إلا أن هذا التحسن سيظل محدودًا وقابلًا للانتكاس إذا لم يصاحبه إصلاح مؤسسي شامل يعالج جذور الاختلالات في الإدارة العامة، والحوكمة، وسيادة القانون، والتعليم، وإدارة الموارد.
ويتميز هذا المشهد بأنه يمنع الانهيار إلى حدٍّ ما، لكنه لا يحقق التحول التاريخي المطلوب.
- المسار الثالث: التحوُّل الحضاري
وهو المسار الأكثر طموحًا، لكنه ليس مستحيلًا. وينطلق من افتراض نجاح مشروع وطني شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والحوكمة وسيادة القانون، مع تبني رؤية تنموية طويلة الأجل تجعل الإنسان محور عملية التنمية.
وفي هذا المسار تتحول الإدارة العامة من إدارة للأزمات إلى إدارة للتنمية، ويصبح الاستثمار في التعليم والاقتصاد المعرفي ورأس المال البشري أولوية وطنية. كما يجري تطوير البنية التحتية، وتحفيز القطاع الخاص، وتعزيز دور الموانئ والموقع الجغرافي في الاقتصاد الوطني، وبناء بيئة جاذبة للاستثمار والإبداع.
ولا يمكن لهذا المسار أن يتحقق دون معالجة مستدامة للقضية الجنوبية، باعتبارها إحدى القضايا المحورية في مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة. فبناء سلام دائم يتطلب ترتيبات سياسية ومؤسسية تحظى بقبول الأطراف المعنية، وتؤسس لعلاقة مستقرة بين مكونات المشهد السياسي. وفي هذا السياق، يظل للمجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في الجنوب، دورٌ مؤثر في أي معادلة مستقبلية تستهدف ترسيخ الأمن والاستقرار وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية وإعادة بناء المؤسسات. وكلما اتجهت المعالجات نحو حلول مستدامة وشاملة، ازدادت فرص الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الدولة وتحقيق التنمية.
ولا يقتصر هذا التحول على الاقتصاد وحده، بل يمتد إلى الثقافة والإدارة والتعليم والبحث العلمي، بما يعزز ما يمكن تسميته بالأمن الحضاري، أي قدرة الدولة والمجتمع على حماية هويتهما، وتنمية مواردهما البشرية، وتحقيق الاستقرار المستدام في عالم سريع التغير.
لا توجد إجابة حتمية عن هذا السؤال، لأن المستقبل لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه أيضًا القرارات والسياسات والمؤسسات، والإيمان بالقدرة على الانتقال إلى مرحلة نسير إليها بأقدامنا لا بأقدام الآخرين. فالمسارات ليست نبوءات، وإنما بدائل تعتمد على الخيارات التي تتخذها الدول والمجتمعات.
إن بلادنا تمتلك من الموارد البشرية والموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية ما يؤهلها للانتقال إلى مسار أفضل، لكن ذلك يتطلب تجاوز إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، والانتقال من التفكير قصير المدى إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
وتأسيسًا على ما سبق، يجب أن يتحول الحاضر والمستقبل همًَّا وطنيًا بامتياز.. همًّا يدفعنا للعمل بضمير من أجل وطن يطحنه الألم والفقر، وإلا سنجد أنفسنا أمام مستقبل لم نختره. فالمستقبل لا يصل إلينا مصادفة، بل نبنيه بقرارات الحاضر. وإذا كان التاريخ يفسر كيف وصلنا إلى ما نحن عليه، فإن الاستشراف الاستراتيجي يساعدنا على اختيار الطريق الذي نريد أن نسلكه.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس فقط إنهاء أزمات اليوم بروحٍ وطنية، بل عبر بناء دولة قادرة على صناعة الغد؛ دولة تستند إلى المؤسسات، وتستثمر في الإنسان، وتحوّل موقعها الجغرافي وثرواتها وإمكاناتها إلى عناصر قوة واستقرار في المستقبل.