أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:15 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الأموال وحدها لا تنقذ الدول.. عندما يتحول الفساد إلى نظام حكم

    د. عبدالله عبدالصمد




    ​كلما اشتدت الأزمات الاقتصادية وتفاقمت معاناة المواطنين، عاد الحديث مجددًا عن الحاجة إلى المزيد من الدعم المالي الخارجي وكأن المال وحده قادر على إنقاذ دولة تتآكل مؤسساتها من الداخل. لكن السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: ماذا يحدث عندما تُضخ الأموال في دولة تحولت فيها شبكات الفساد إلى جزء من بنية السلطة نفسها؟

    المشكلة لم تعد مجرد عجز في الموازنة أو نقص في الإيرادات، بل أصبحت أزمة دولة تعاني من ترهل إداري هائل، ومؤسسات عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، وطبقة سياسية استهلكت موارد البلاد دون أن تقدم نموذجًا ناجحًا للإدارة أو التنمية أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.

    في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لا يزال آلاف المسؤولين والموظفين الكبار يتقاضون رواتب ومخصصات وإعاشات من خزينة عامة منهكة، بينما يقيم عدد كبير منهم خارج البلاد. المواطن الذي ينتظر الكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحية، يجد نفسه ممولًا لمنظومة واسعة من الامتيازات والمخصصات التي لا يرى لها أي انعكاس على حياته اليومية.

    يكفي النظر إلى حجم البنية البيروقراطية المتضخمة لفهم جانب من المشكلة. مجلس قيادة رئاسي متعدد الأعضاء، ولكل عضو طاقم من مدراء المكاتب والمستشارين واللجان والمرافقين والموازنات التشغيلية الخاصة. وحكومة تضم عشرات الوزراء، تتغير بصورة متكررة دون أن ينعكس ذلك على الأداء أو الخدمات أو الاستقرار المؤسسي. ومع كل تغيير حكومي تتوسع دائرة المستفيدين من المناصب والمخصصات، بينما تتراجع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين.

    ولا يتوقف الأمر عند الوزراء الحاليين، بل يمتد إلى شبكة واسعة من المسؤولين السابقين الذين ما زالوا يحصلون على امتيازات ومخصصات ورواتب بدرجات متفاوتة، في مشهد يعكس غياب أي رؤية جادة لترشيد الإنفاق أو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة.

    أما الجهاز الإداري، فقد تحول في كثير من الأحيان إلى هيكل مترهل يعج بالمناصب والمسميات. نواب وزراء، ووكلاء، ووكلاء مساعدين، ومستشارون، ومدراء عموم، ومناصب استحدثت أو توسعت على مدى سنوات دون أن يقابلها تحسن مماثل في الأداء أو الإنتاجية. والأسوأ من ذلك أن عددًا من هذه الوظائف أصبح أقرب إلى كشوف رواتب منه إلى مواقع عمل حقيقية، حيث تستمر المخصصات بينما يغيب الحضور والإنجاز والمساءلة.

    وفي السلك الدبلوماسي تتكرر الصورة ذاتها. سفارات وبعثات وملحقيات في دول عديدة، وإنفاق بمليارات الريالات أو ما يعادلها من العملات الأجنبية، في وقت تتراجع فيه الفوائد السياسية والاقتصادية الملموسة لهذا الحضور الدبلوماسي المتضخم. وفي كثير من الحالات تُوجَّه الانتقادات إلى آليات التعيين التي يُنظر إليها باعتبارها خاضعة للمحسوبية والولاءات والعلاقات الشخصية أكثر من اعتمادها على الكفاءة والخبرة.

    أما الملف الأمني والعسكري، فهو من أكثر الملفات استنزافًا للموارد العامة. فسنوات طويلة من غياب الرقابة الفعالة سمحت بظهور اختلالات كبيرة في كشوف الرواتب والتجنيد وإدارة الموارد البشرية. وتكررت الاتهامات بوجود أسماء غير فاعلة أو ازدواج وظيفي أو ممارسات فساد تؤدي إلى استنزاف مليارات كان يمكن توجيهها لتحسين أوضاع الجنود الحقيقيين أو تطوير المؤسسات الأمنية والعسكرية.

    وفي موازاة ذلك، تستمر الاتهامات المتعلقة بالتهريب والتهرب الضريبي وغسل الأموال واستغلال النفوذ، وهي ممارسات لا تستنزف موارد الدولة فقط، بل تقوض ثقة المواطنين والمستثمرين في أي مشروع إصلاحي محتمل. فحين تصبح مراكز النفوذ جزءًا من المشكلة، يصبح الإصلاح أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرارات أو الحصول على منح ومساعدات جديدة.

    لهذا فإن الاعتقاد بأن الدعم المالي الخارجي وحده سيغير الواقع هو رهان يتجاهل جوهر الأزمة. فالأموال التي تدخل إلى منظومة فاسدة لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية، بل غالبًا ما تصبح جزءًا من دورة الهدر نفسها. وما لم تترافق أي مساعدات أو موارد جديدة مع إصلاحات جذرية وحقيقية تشمل مكافحة الفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وربط الإنفاق بالنتائج والمساءلة، فإن النتيجة ستكون تكرار التجارب السابقة ذاتها.

    الدول لا تنهض بالأموال فقط، بل بالإدارة الرشيدة والمؤسسات الفاعلة وسيادة القانون. أما عندما تستمر المنظومة نفسها، والعقليات نفسها، وآليات الفساد نفسها، فإن ضخ المزيد من الأموال لن يكون حلًا للأزمة، بل قد يتحول إلى وسيلة لإطالة عمرها وتأجيل انفجارها فقط.

المزيد من مقالات (د. عبدالله عبدالصمد)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال