الخميس, 02 يوليو 2026
106
في السابع من يوليو 1994، شهد اليمن حدثًا غيّر مسار تاريخه السياسي، عندما دخلت القوات القادمة من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن، لتنتهي بذلك الحرب التي اندلعت بين طرفي الوحدة اليمنية.
وبالنسبة لكثير من اليمنيين، مثّل ذلك اليوم نهاية فعلية للحلم الذي وُلد في 22 مايو 1990، حين توحدت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية في مشروع وطني كان يُفترض أن يقوم على الشراكة والتوافق والعدالة. لكن الحرب أنهت هذا المسار، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة يرى كثيرون أنها اتسمت بالإقصاء وتراجع مبدأ الشراكة، وما ترتب على ذلك من أزمات سياسية ووطنية عميقة.
لقد تركت نتائج تلك الحرب آثارًا امتدت لعقود، وأسهمت في تعميق الانقسامات وإضعاف مؤسسات الدولة، وتراكمت الأزمات حتى وصل اليمن اليوم إلى واحدة من أسوأ المراحل في تاريخه الحديث.
وبعد اثنين وثلاثين عامًا، تبدو الصورة أكثر قتامة. فاليمن الذي كان يمتلك دولة ومؤسسات وجيشًا واقتصادًا، أصبح اليوم ساحة للصراعات والحروب والتدخلات الخارجية، وانقسمت مؤسساته، وتعددت مراكز القرار، وتوزعت السلطة بين أطراف وقوى مختلفة، بينما يدفع المواطن اليمني وحده ثمن هذا الانقسام والفشل.
لقد خسر الجميع في هذه المسيرة الطويلة؛ فلا المنتصر بقي منتصرًا، ولا المهزوم ظل وحده يدفع الثمن، بل أصبح الشعب اليمني بأسره هو الخاسر الأكبر. شمالًا وجنوبًا، يدفع المواطن ثمن عقود من الصراع وسوء الإدارة وغياب المشروع الوطني الجامع.
واليوم، لم يعد اليمن يحتمل مزيدًا من الانقسامات أو تعدد السلطات والرؤوس. إن المخرج الحقيقي يبدأ بحوار يمني–يمني شامل، عبر مؤتمر وطني جامع لا يُقصي أحدًا ولا يستثني أي مكون سياسي أو اجتماعي يؤمن بمستقبل اليمن. مؤتمر يؤسس لمصالحة وطنية حقيقية، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.
إن اليمن بحاجة إلى قيادة وطنية واحدة، ورئيس واحد، وحكومة واحدة، وجيش وطني واحد، ومؤسسات دولة واحدة تحتكم إلى الدستور والقانون، بعيدًا عن تعدد مراكز النفوذ والسلاح والولاءات. فلا يمكن لأي دولة أن تستعيد استقرارها أو تبني مستقبلها في ظل تعدد السلطات وتضارب القرارات.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن منطق القوة لم يصنع سلامًا، وأن الإقصاء لم يبنِ دولة، وأن استمرار الانقسام لن يورث الأجيال القادمة سوى المزيد من المعاناة. وحده
التوافق الوطني الصادق، والإرادة اليمنية الحرة، قادران على إعادة بناء الدولة وإنهاء الحرب واستعادة كرامة الإنسان اليمني.
رحم الله كل من سقط في الحروب، وحفظ اليمن وأهله، وجعل المستقبل بداية لمرحلة جديدة يسودها السلام والعدل والشراكة الحقيقية بين جميع أبناء الوطن.