أخر تحديث للموقع
الأربعاء, 08 يوليو 2026 - 12:02 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • مهرجان الشعر ببغداد عام 1965م.. حضور الذكريات وردفان في قصيدة أحمد السقاف

    د. هشام السقاف




    كان مؤتمر الأدباء العرب ومهرجانه الشعري في بغداد عام 1965م، في عهد الرئيس عبد السلام عارف، وبحضوره. وكان المهرجان زاخرًا بكبار شعراء العرب، وكان الرهان معقودًا على الشاعر المصري صالح جودت، الذي صدح بقصيدة عصماء مطلعها:


    وحقِّ الذي عقد الآصرة

    ووحَّد بغدادَ والقاهرة

    وذوَّب في النيل حبَّ الفرات

    وقرَّب من عارفٍ ناصره

    إلا أن المفاجأة جاءت من الشاعر أحمد السقاف، رئيس وفد الكويت إلى المؤتمر والمهرجان، فقد ألقى قصيدته «بنت بغداد»، التي سلك فيها مسلك الشعراء العرب قديمًا، ولكن بأسلوب عصري. استعاد فيها ذكريات وقوفه ولقاءاته في بغداد، التي عاش فيها طالبًا خلال الفترة من 1937م إلى 1941م تقريبًا، برشاقة شعرية عالية المستوى، جعلت الرئيس العراقي عبد السلام عارف -رحمه الله- يقف مصفقًا بحرارة بعد كل بيت يلقيه السقاف.

    يقول في مطلع القصيدة:

    عصف الهوى بحصافتي ووقاري

    فكشفت بعد تكتمي أسراري

    بابي التي ملكت عليَّ مشاعري

    بجمالها ودلالها السحَّار

    الكاعب المكسال ترفل في السنى

    وتضوع عن أرجٍ لها فوَّار

    سارقتها النظر الخجول فسددت

    سهمًا، فكنت كلاعب بالنار

    فإذا الفؤاد صريعها، ولطالما

    صرعت خِلَّ القوم ذات سوار

    لا أكذب العذال، إني مُدنفٌ

    هيمانُ، ليلي عابسٌ كنهاري

    لم أنس طلعتها ولا قسماتها،

    ومن المحال تغيب عن أفكاري

    فسلوا الصليخ لعله متذكرٌ

    ما كنت أودعه من الأسرار

    وسلوا حدائقه التي عطرتها

    بالحب والآهات والأشعار

    كم ليلة مرت عليَّ كأنها

    حلمٌ، ويكفي أنها بجواري

    أحكي لها قصصًا تلذ سماعها،

    وتلذ أن تُروى على قيثاري

    وتهزها قصصي فتنسى وقتها،

    فأطيل في قصصي وفي أخباري

    حتى إذا ابتسم الصباح، وأزعجت

    بصفير شحرور وصوت هزار

    نهضت، وأرخصت الدموع، وأقسمت

    بالحب إن أوارها كأواري

    لكنها تخشى افتضاح هيامها،

    كيلا يشوب الحب أي غبار

    تلك الحياة، وما علمت بأنها

    ستمر كاللمحات للأبصار

    ثم يستطيب السقاف القول بالتعريج على أحداث العراق بعد ثورة تموز 1958م الدموية، وتسنُّم عبد الكريم قاسم الحكم، وما شهدته البلاد من تصفيات واسعة للتيارات القومية، التي كانت من رفاق قاسم بالأمس في الثورة. 

    قال السقاف:

    أين الأولى نكبوا العراق بحكمهم

    ورموا مدائنه بكل دمار

    الناصبون من الجنون زعامةً،

    والهاتفون لجاهل ثرثار

    والمطلقون حبالهم لزعانفٍ،

    جعلوا الحبال لهم أجلَّ شعار

    والراكضون الصائحون كأنهم

    أجناد هولاكو أتوا لضرار

    والعابثون بوحدة وطنية

    كانت على الأيام خير منار

    والشاربون من الدماء، وقد غدت

    تجري بما اقترفوه كالأنهار

    وكان الإعجاب يأخذ بأبرز من صنع ثورة تموز، ثم اكتوى بنيرانها، وهو الرئيس عبد السلام عارف، فيهب واقفًا مصفقًا وسط موجات من التصفيق الحار من جمهور الحضور.

    ثم يصل السقاف إلى ثورة ردفان ومعاناة أهلها من القصف الجوي البريطاني، وكأنه يستثير همة العراق ورئيسه لدعم ثورة الجنوب العربي، يقول:

    شعب العراق، وللحديث بقيةٌ

    تُهدى من الأحرار للأحرار

    هل جاءك النبأ العظيم بثورةٍ

    عربية الإيراد والإصدار؟

    وهل العدو أذاع من أنبائها،

    أم صدَّ في لؤمٍ عن الإقرار؟

    إن الشباب السمر قد خطبوا العلا

    بدمٍ، كما ترجو البطولات جار

    والعرس في ردفان قصف مدافعٍ،

    وقنابل تُلقى بلا إنذار

    وحصاد أرواح، وهدم منازل،

    وعويل نسوان، وندب جوارٍ

    وبكاء أطفال تشتت شملهم،

    نزلوا على جوع ضيوف صحارٍ

    شعب العراق، وأنت غير مقصرٍ

    في حالة الإيسار والإعسار

    كن للعروبة، حيث كنت، من المنى،

    واسلم بعون الواحد القهار

    لا شك أن استنهاض الهمم بالشعر أشد تأثيرًا في الوجدان العروبي من آلاف الخطب؛ فقد جُبلت الأذن العربية، منذ تفتق الوعي العربي، على السماع الشعري في الجاهلية والإسلام. ولعل الشاعر الكبير أحمد السقاف قد تعمد تنويع الأغراض في قصيدته العصماء، التي أصبحت حديث بغداد وصحافتها، لإيصال رسائله القومية إلى العراق ورئيسه، ممن كان العرب يعولون عليه كثيرًا.

    فبعد أن فرغ من مقدمته الغزلية ببغداد وفتاتها، إبان دراسته فيها، عرَّج على عربدة عبد الكريم قاسم وزبانيته، وما عانته العراق من جنون الديكتاتورية، قبل أن يلتفت إلى قضايا أمته العربية، وعلى رأسها فلسطين، التي لم يتسع المقام لإيراد ما قاله عنها، ثم اختتم القصيدة بثورة الجنوب، مبرزًا صورة ردفان الأبية ودورها في الثورة، وما عانته -كدأبها- ثمنًا لمواقف أبنائها الوطنية.

المزيد من مقالات (د. هشام السقاف)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال