يظلُّ اسمُ الشهيدِ القائد صالح أبوبكر بن حسينون محفورًا في سويداء الذاكرة المجتمعية والسياسية، ومترسخًا في وجدان الأمة كواحدٍ من أبهى وأنبل، وأشجع وأنزه القيادات التاريخية التي أنجبتها الأرضُ الجنوبية. لقد كان رجلًا بحجم وطن، وموقفًا يختزل الكرامة.
لهذا، ستظلُّ الرصاصاتُ الجبانة والغادرة التي طالت روحه الطاهرة، موصومةً بالعارِ الأبديّ، تلاحقُ مسبّبيها بالخسّة والنذالة في الدنيا والآخرة. لقد أحدث استشهادُ بن حسينون صدمةً وجوديةً قاتلة، هزّت أركان الضمير الجمعي لِشعبِ الجنوب الجبار، نظرًا لمكانةِ الرجلِ الاستثنائية وتاريخه المرصع بألماسِ النضالِ والاستقامة.
إنَّ التاريخَ الحيَّ لا يغفر، ولن يغفر لقاتليه؛ بل سيمضي يسطّرُ ملحمةَ حياته واستشهاده لتتناقلها الأجيالُ جيلًا بعد جيل، تروي قصة البطل الذي لم يساوم. وفي المقابل، سيصبُّ التاريخُ لعناتِهِ السرمدية على قتلةِ بن حسينون ورفاقه الأبرار من الكوادر الجنوبية الفذة، الذين دفعوا حياتهم، وأرضهم، وهويتهم، ومستقبل أبنائهم، ثمنًا لمشروعٍ سياسيٍّ غادِر، تحوّل بفعل النوايا الخبيثة من "حلمٍ وطنيٍّ جميل" إلى "شِراكٍ خِداعيةٍ مسمومة"، كُتبت في واحدةٍ من أبشع وأنجسِ صفحاتِ الغدرِ والخيانة في التاريخ الحديث.
- 7/7: يوم الاحتلال الأسود وجريمة الغدر
إنّ ما جرى في السابع من يوليو الأسود لم يكن مجرد انقضاضٍ عسكريّ، بل كان خطيئةً تاريخيةً مكتملة الأركان، واحتلالاً غاشمًا دمّر الشراكة واستباح الأرض والإنسان والقرار. لقد تحوّلت تلك المؤامرة الدنيئة إلى طعنةٍ نجلاء في خاصرة الحلم، حيث أُهدرت الدماء، ونُهبت المقدرات، وعُومل الجنوب وشعبه بصلف المستعمر، مما يجعل إدانة هذا اليوم ورموزه واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا يتوارثه الأحرارُ على مرّ الدهور.
- نداء المسيرة والتلاحم الجنوبي:
امتدادًا لهذا الوفاء، وتزامنًا مع الذكرى الأليمة، فإننا ندعو اللجان التحضيرية والجماهير الحرّة بضرورة رفع صور الشهيد القائد صالح أبوبكر بن حسينون وإبرازها بشكل واسع في مقدمة المسيرة الكبرى المزمع إقامتها في العاصمة عدن، والتي يحضر لها المجلس الانتقالي الجنوبي. إن رفع صوره في هذا اليوم ليس مجرد تذكير برمز وطني، بل هو رسالة سياسية بليغة تؤكد التفاف شعب الجنوب حول تضحيات قادته الكبار، وتجديد للعهد بأن الدماء التي سُفكت في معركة الدفاع عن الجنوب ومقدراته لن تذهب هدرًا.
- القائدُ الفذّ والمعدنُ الحضرميّ الأصيل
في كلِّ المواقع والمناصب التي تبوأها الشهيد بن حسينون، تجلّى كصورةٍ وطنيةٍ شامخة، شديدة الاعتزاز بالنفس، ممتلئة بالكرامة، متفرّدة كقائدٍ ومسؤولٍ سياسيٍّ من الطراز الرفيع.
وقد روى لي الكثيرُ ممن عاصروه وعايشوا فيضَ عطائه — ومنهم القامة الوطنية اللواء طيار قاسم عبدالرب العفيف — مواقفَ تُبهر العقول، وتبعث على الاعتزاز والفخر؛ مواقف تختزل النبل، والنضج، والاستقامة، والصبر الأيوبيّ. لقد كان شخصيةً حضرميةً وجنوبيةً أصيلة، عركتها ميادينُ الحياة، وقدمتها للوجود منابعُ "أرض الأحقاف" الضاربة في عمق الحضارة الإنسانية التليدة.
- نداءُ الوفاء: التوثيق والتخليد
من هذا المنطلق، وبدافعِ الوفاء الذي لا ينضب، فإننا نهيب بالباحثين، والكُتّاب، وأقرباء الشهيد، وكلّ غيورٍ على هذا الإرث، أن يُغنوا التاريخ الحياتي والمسيرة النضالية لابن حسينون بمزيدٍ من البحث الدقيق، والتدوين، والتوثيق لمختلف مفاصل حياته العملية والقيادية.
كما نطالب، وبكلّ إلحاح، بإطلاق اسمه النبيل على مَعلَمٍ سياديٍّ وصرحٍ بارزٍ من معالم البلاد، بما يليق بمكانته السامقة، وتاريخه المجيد، وحبّ الناس الجارف له، ليبقى اسمًا يتردد مع الآذان، وإدانةً صريحةً، صارخةً، وباقيةً ما بقي الثقلان، ضدَّ قاتليه الأوغاد.