السبت, 01 أغسطس 2026
147
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يُطرح مشروع تحالف بحري واسع بقيادة المملكة العربية السعودية لحماية البحر الأحمر، وكأنه الحل السريع لأزمة تتجاوز في جوهرها حدود البحر إلى عمق اليابسة اليمنية. غير أن قراءة متأنية للتجربة القريبة، وفي مقدمتها “عاصفة الحزم”، تكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: التحالفات تبدأ صاخبة وتنتهي صامتة، وتبقى المملكة في الواجهة وحدها تتحمل الكلفة والنتائج، بينما يتراجع الشركاء تحت وطأة التعقيدات وتضارب الحسابات.
إن الرهان على تحالف بحري جديد دون معالجة أصل المشكلة هو رهان مكلف وقصير النظر. فتهديدات البحر الأحمر ليست حادثًا عابرًا، بل امتداد مباشر لصراع مفتوح في اليمن، تُدار فيه المواجهة بأدوات غير تقليدية، وتُستنزف فيه الموارد دون أفق حاسم. ومع مرور الوقت، سيتآكل هذا التحالف كما تآكل غيره، وستجد المملكة نفسها مرة أخرى أمام مسؤولية منفردة، لكن هذه المرة في بيئة أكثر تعقيدًا وتكلفة.
الحقيقة الصارخة أن الأمن لا يُشترى بالتحالفات المؤقتة، ولا يُفرض من سطح البحر، بينما الجرح ينزف في الداخل اليمني. الاستمرار في هذا المسار يعني استنزافًا مفتوحًا للمال والجهد والوقت، دون تحقيق الهدف المعلن، بل وربما تعميق الأزمة وتوسيع دائرة التهديد. وكل يوم يمر في ظل هذا النهج هو خسارة استراتيجية تُضاف إلى رصيد الحرب الطويل.
الخيار العقلاني– هو كسر الحلقة المفرغة والانتقال إلى معالجة جذور الأزمة، عبر فرض مسار سياسي جاد يدفع الأطراف اليمنية شمالًا وجنوبًا إلى طاولة تسوية حقيقية، لا شكلية. تسوية تُنهي الحرب بدل إدارتها، وتضع حدًا لحالة اللايقين التي تُغذي الفوضى وتُهدد أمن الإقليم بأكمله. هذا المسار وحده القادر على تقليص الكلفة، وإغلاق أبواب الاستنزاف، وإعادة ضبط المعادلة الأمنية في البحر الأحمر.
إن بقاء المملكة في قلب هذا الصراع دون أفق للحل لم يعد خيارًا يمكن تحمّله طويلًا. الكلفة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية واستراتيجية، وكلها تتراكم بصمت. والخروج من هذا الملف ليس انسحابًا، بل إعادة تموضع ذكي يحفظ الهيبة ويعيد توجيه البوصلة نحو الاستقرار بدل الغرق في مستنقع حرب لا تنتهي.
الرسالة الواضحة أن أمن البحر الأحمر لن يتحقق عبر دوريات بحرية أو تحالفات عابرة، بل عبر إنهاء الحرب التي تُغذي التهديد من جذوره. وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة لن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار، مع مضاعفة كلفته عندما يقع.
إن اللحظة تتطلب قرارًا حاسمًا وشجاعًا: إما الاستمرار في دوامة الاستنزاف تحت عناوين متعددة، أو الذهاب مباشرة إلى أصل المشكلة وإنهائها. الخيار الثاني وحده هو الذي يوفر الوقت والمال والجهد، ويمنح المملكة مخرجًا مشرفًا، ويعيد للمنطقة توازنها المفقود. أما غير ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج لأزمة بأدوات جديدة، ونهاية معروفة سلفًا.