أخر تحديث للموقع
الأحد, 02 أغسطس 2026 - 12:16 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الحوكمة المفقودة: الحلقة الغائبة في مشاريع الإصلاح

    د. جلال حاتم




    لا يكاد يمر وقت طويل إلا وتُعلَن مبادرة جديدة، أو خطة إصلاح، أو برنامج إنقاذ اقتصادي، أو حزمة إجراءات لمعالجة الأزمات المتراكمة. ومع ذلك، تبقى النتائج في كثير من الأحيان أقل من التوقعات، أو تتلاشى آثارها بعد مدة قصيرة، وكأن المشكلات تعود إلى نقطة البداية.

    ولو بحثنا في أسباب هذه الإخفاقات، لوجدنا حلقة مفقودة تجعل كثيراً من الخطط عاجزة عن تحقيق أهدافها. وهذه الحلقة، في تقديري، هي غياب الحوكمة الرشيدة.

    فالحوكمة لا تعني مجرد إصدار اللوائح أو إعادة هيكلة المؤسسات، وإنما بناء منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، ووضوح الصلاحيات، والشفافية، والمساءلة، والكفاءة، والمشاركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي التي تجعل المؤسسات قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج، والموارد إلى قيمة مضافة، والقرارات إلى واقع ملموس.

    وتبدأ الحوكمة بسيادة القانون؛ فلا يمكن بناء دولة مستقرة إذا كانت القوانين تُطبَّق على البعض دون البعض الآخر. ثم تأتي الشفافية التي تتيح للمواطنين الاطلاع على المعلومات المتعلقة بالقرارات والإنفاق العام وأداء المؤسسات، بما يعزز الثقة ويحد من فرص الفساد.

    أما المساءلة، فهي الضمانة التي تجعل كل من يتولى مسؤولية عامة خاضعًا للمحاسبة عن قراراته ونتائج أعماله. فلا يمكن أن تنجح مؤسسة يصبح فيها الفشل بلا عواقب، أو تضيع فيها المسؤولية بين جهات متعددة.

    وتمثل الكفاءة والجدارة ركنًا أساسيًا في الحوكمة، لأن الإدارة العامة لا تستطيع تحقيق أهدافها ما لم يُسند كل منصب إلى الشخص الأكثر قدرة على أدائه، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الحزبية أو المناطقية. فالوظيفة العامة مسؤولية وطنية وليست امتيازًا، وقد تكون كلفة اختيار الشخص غير المناسب أكبر من كلفة نقص الموارد نفسها.

    وتقتضي الحوكمة أيضًا وضوح الصلاحيات وتنسيق الأدوار بين المؤسسات، حتى لا تتداخل الاختصاصات أو تتكرر القرارات أو تضيع المسؤوليات. كما تتطلب الاعتماد على البيانات والأدلة؛ فالإدارة الحديثة لا تبني سياساتها على الانطباعات وردود الأفعال، وإنما على معلومات دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس والمتابعة والتقييم.

    ولا تكتمل الحوكمة من دون المشاركة، بحيث لا تنفرد جهة واحدة بصياغة السياسات العامة، بل تُفتح قنوات للحوار مع الجامعات ومراكز الفكر والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بما يسهم في إنتاج قرارات أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

    ولو تأملنا أزمات الدول الهشة، لوجدنا أنها تعكس خللاً في واحد أو أكثر من هذه المبادئ: فحين يغيب القانون تنتشر الفوضى، وحين تغيب الشفافية يتسع الفساد، وحين تغيب المساءلة يتكرر الفشل، وحين تغيب الجدارة تضعف المؤسسات، وحين تغيب البيانات يصبح القرار أقرب إلى الاجتهاد منه إلى التخطيط العلمي.

    ولذلك، فإن الدول لا تنهض بالتمويل وحده، ولا بالمشروعات أو حسن النيات، وإنما تنهض عندما تمتلك مؤسسات تعمل وفق قواعد مستقرة، وتخضع للمساءلة، وتستند إلى الكفاءة في إدارة الموارد العامة.

    وفي كثير من الدول، لا يكون نقص الموارد هو العقبة الرئيسة، بل ضعف القدرة على إدارتها. فقد تتوافر الأموال، وتُعتمد الخطط، وتُعلن البرامج، لكن غياب الحوكمة يؤدي إلى الهدر، وتعثر التنفيذ، وتأخر الإنجاز، وانخفاض جودة الخدمات.

    وفي الحالة اليمنية، تكتسب الحوكمة أهمية استثنائية؛ فالتحديات لا تقتصر على نقص التمويل أو آثار الصراع، بل تشمل الحاجة إلى بناء مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم والتصحيح المستمر. كما أن نجاح أي مشروع اقتصادي أو خدمي يظل مرهونًا بإدارة مؤسسية تحكمها قواعد واضحة، لا اجتهادات متغيرة.

    وتزداد أهمية الحوكمة في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت جودة البيانات وسرعة تداول المعلومات والرقابة الإلكترونية عناصر أساسية في تحسين الأداء الحكومي. غير أن التكنولوجيا لا تستطيع تعويض غياب الحوكمة؛ فهي تعزز الإدارة الجيدة، لكنها لا تصنعها من تلقاء نفسها.

    ومن منظور التنمية، تمثل الحوكمة الجسر الذي يربط بين الرؤية والتنفيذ. فكم من استراتيجية طموحة بقيت حبراً على ورق، لا لضعف أهدافها، بل لغياب المنظومة المؤسسية القادرة على تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم.

    ولذلك، فإن أي مشروع جاد لإنقاذ اليمن ينبغي ألا يقتصر على توفير التمويل وإعداد الخطط وإعادة بناء البنية التحتية، بل يجب أن يبدأ بإعادة بناء منظومة الحوكمة. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من حجم الموازنة، بل من طريقة إدارة المال العام؛ ولا من كثرة المؤسسات، بل من جودة أدائها؛ ولا من كثرة القرارات، بل من القدرة على تنفيذها ومحاسبة المسؤولين عنها.

    إن الحوكمة ليست ترفًا إداريًا ولا مصطلحًا أكاديميًا، بل هي الشرط الذي يحدد ما إذا كانت الخطط ستتحول إلى إنجازات أم ستظل وثائق تضاف إلى أرشيف المؤسسات. فالحلقة المفقودة في كثير من مشاريع الإنقاذ ليست نقص الأفكار أو قلة الموارد، وإنما غياب الحوكمة القادرة على تحويل الإمكانات إلى نتائج، والرؤى إلى واقع.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال