زرت خلال الفترة الأخيرة عددًا من الوزارات والمؤسسات الحكومية لمتابعة شؤون عامة ولقاء زملاء وأصدقاء، وخرجت بانطباع لا يحتمل التأجيل ولا المجاملة: الوجع لم يعد في أطراف الدولة، الوجع انتقل إلى الرأس. ما نرصده اليوم ليس مجموعة أخطاء إدارية عابرة يمكن تبريرها بظرف أو بضغط، بل هو نمط متكرر قوامه إقصاء وتهميش واستبعاد الكفاءات والخبرات الوطنية التي راكمت عقودًا من الخبرة في بناء مؤسسات الدولة، واستبدالها بتعيينات وتكليفات لا تستند إلى معيار الكفاءة ولا إلى منطق المصلحة العامة.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن لكل مؤسسة الحق في إعادة الترتيب وضخ دماء جديدة، وهذا مبدأ إداري معترف به في كل النظم. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى وسيلة لتفريغ المؤسسة من ذاكرتها الفنية ومن رصيدها المعرفي المتراكم، وعندما تصبح القرارات التي تثير الجدل وتتصدر وسائل الإعلام المختلفة صادرة من قمة الهرم الإداري نفسه، من الجهة المنوط بها أصلاً صون القانون وحماية المال العام. عندها نكون بإزاء إشكالية أعمق من سوء الإدارة، نكون بإزاء مساس مباشر بأسس بناء الدولة يتم ببطء وتحت غطاء الصلاحيات.
إن خطورة هذا النمط لا تكمن في واقعة بعينها أو في موقع بعينه، بل في الأثر التراكمي الذي يضرب كفاءة الدولة في الصميم. على المستوى القانوني، نحن أمام قرارات تفتقر إلى السند الفني وإلى دراسة الجدوى وإلى الالتزام الصريح باللوائح، فتكون نتيجتها الحتمية طعوناً وإلغاءات وإهداراً للوقت والمال العام. وعلى المستوى الإداري، نحن أمام مؤسسات يتم فيها تهميش الخبير القادر على العطاء وهو في قمة جهده، وإبعاده عن مواقع القرار والتأثير، ليحل محله من لا يملك الرصيد المهني الذي يؤهله لإدارة ملف، فتتعطل عجلة العمل ويحل الارتباك محل التخطيط. وعلى المستوى الاقتصادي، كل قرار إداري يصدر عن قيادة غير مؤهلة هو كلفة مباشرة يتحملها المواطن من خدمته ومن موارده، وهو ما يدخل في باب الإخلال بمبادئ ترشيد الإنفاق العام. وعلى المستوى الوطني، وهو الأخطر، نحن نرسخ في وعي الأجيال قناعة مفادها أن الكفاءة ليست معياراً وأن السؤال المهني ممنوع، وأن الطاعة وحدها هي طريق التقدم. وهذه قناعة تدمر أساس الدولة من الداخل.
إن الفساد يطال المال، ويمكن تتبعه ومحاسبته. أما تفريغ المؤسسات من الكفاءة فيطال الأداة التي تحمي المال وتحمي القانون وتحمي الخدمة. الفساد حالة فردية، أما هذا فهو تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتحويل الاستبعاد إلى سياسة، وتقنين للفشل تحت مسمى القرار الإداري.
لا مخرج من هذا المأزق إلا بإعادة الاعتبار للكفاءة بوصفها التزاماً وطنياً لا خياراً. وذلك يبدأ بإقرار ميثاق الكفاءة الوطنية الإلزامي الذي يجعل من المؤهل العلمي وسنوات الخبرة وخطة العمل المعلنة والقابلة للقياس وتقرير الأداء السنوي الشروط الموضوعية الوحيدة لأي تعيين أو تكليف في موقع قيادي، بلا استثناءات وبلا مجاملات. كما يستدعي تفعيل دور أجهزة الرقابة لتمارس اختصاصها قبل صدور القرار لا بعده، بمراجعة مدى مطابقة قرارات التعيين للمعايير المعلنة. ويستدعي أيضًا حماية الذاكرة المؤسسية عبر الاستفادة من الكفاءات والخبرات الموجودة فعليًا في الخدمة ومنحها مواقعها الطبيعية في القيادة والتخطيط، فإبعاد القادر على العطاء هو تبديد لثروة قومية حية لا تعوض.
ختامًا، لا يستقيم أن نطالب المواطن بتحمل الأعباء وتحسين الخدمة ونحن في الوقت نفسه نفرغ الجهة التي تقدمها من أهلها. وإذا كان الخلل في الرأس فمن أين ستأتي العافية؟ وإذا كان من يدير الكهرباء لا يملك فهمًا لملف الكهرباء، ومن يدير الصحة لا يملك فهمًا لملف الصحة، ومن يدير الاقتصاد لا يملك فهمًا لملف الاقتصاد، فماذا ننتظر غير مزيد من التدهور؟ الوطن لا يحتمل مزيدًا من التجارب، والإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا، من أن نعيد للكفاءة اعتبارها، وللقانون كلمته، وللمؤسسة هيبتها.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن لكل مؤسسة الحق في إعادة الترتيب وضخ دماء جديدة، وهذا مبدأ إداري معترف به في كل النظم. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى وسيلة لتفريغ المؤسسة من ذاكرتها الفنية ومن رصيدها المعرفي المتراكم، وعندما تصبح القرارات التي تثير الجدل وتتصدر وسائل الإعلام المختلفة صادرة من قمة الهرم الإداري نفسه، من الجهة المنوط بها أصلاً صون القانون وحماية المال العام. عندها نكون بإزاء إشكالية أعمق من سوء الإدارة، نكون بإزاء مساس مباشر بأسس بناء الدولة يتم ببطء وتحت غطاء الصلاحيات.
إن خطورة هذا النمط لا تكمن في واقعة بعينها أو في موقع بعينه، بل في الأثر التراكمي الذي يضرب كفاءة الدولة في الصميم. على المستوى القانوني، نحن أمام قرارات تفتقر إلى السند الفني وإلى دراسة الجدوى وإلى الالتزام الصريح باللوائح، فتكون نتيجتها الحتمية طعوناً وإلغاءات وإهداراً للوقت والمال العام. وعلى المستوى الإداري، نحن أمام مؤسسات يتم فيها تهميش الخبير القادر على العطاء وهو في قمة جهده، وإبعاده عن مواقع القرار والتأثير، ليحل محله من لا يملك الرصيد المهني الذي يؤهله لإدارة ملف، فتتعطل عجلة العمل ويحل الارتباك محل التخطيط. وعلى المستوى الاقتصادي، كل قرار إداري يصدر عن قيادة غير مؤهلة هو كلفة مباشرة يتحملها المواطن من خدمته ومن موارده، وهو ما يدخل في باب الإخلال بمبادئ ترشيد الإنفاق العام. وعلى المستوى الوطني، وهو الأخطر، نحن نرسخ في وعي الأجيال قناعة مفادها أن الكفاءة ليست معياراً وأن السؤال المهني ممنوع، وأن الطاعة وحدها هي طريق التقدم. وهذه قناعة تدمر أساس الدولة من الداخل.
إن الفساد يطال المال، ويمكن تتبعه ومحاسبته. أما تفريغ المؤسسات من الكفاءة فيطال الأداة التي تحمي المال وتحمي القانون وتحمي الخدمة. الفساد حالة فردية، أما هذا فهو تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتحويل الاستبعاد إلى سياسة، وتقنين للفشل تحت مسمى القرار الإداري.
لا مخرج من هذا المأزق إلا بإعادة الاعتبار للكفاءة بوصفها التزاماً وطنياً لا خياراً. وذلك يبدأ بإقرار ميثاق الكفاءة الوطنية الإلزامي الذي يجعل من المؤهل العلمي وسنوات الخبرة وخطة العمل المعلنة والقابلة للقياس وتقرير الأداء السنوي الشروط الموضوعية الوحيدة لأي تعيين أو تكليف في موقع قيادي، بلا استثناءات وبلا مجاملات. كما يستدعي تفعيل دور أجهزة الرقابة لتمارس اختصاصها قبل صدور القرار لا بعده، بمراجعة مدى مطابقة قرارات التعيين للمعايير المعلنة. ويستدعي أيضًا حماية الذاكرة المؤسسية عبر الاستفادة من الكفاءات والخبرات الموجودة فعليًا في الخدمة ومنحها مواقعها الطبيعية في القيادة والتخطيط، فإبعاد القادر على العطاء هو تبديد لثروة قومية حية لا تعوض.
ختامًا، لا يستقيم أن نطالب المواطن بتحمل الأعباء وتحسين الخدمة ونحن في الوقت نفسه نفرغ الجهة التي تقدمها من أهلها. وإذا كان الخلل في الرأس فمن أين ستأتي العافية؟ وإذا كان من يدير الكهرباء لا يملك فهمًا لملف الكهرباء، ومن يدير الصحة لا يملك فهمًا لملف الصحة، ومن يدير الاقتصاد لا يملك فهمًا لملف الاقتصاد، فماذا ننتظر غير مزيد من التدهور؟ الوطن لا يحتمل مزيدًا من التجارب، والإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا، من أن نعيد للكفاءة اعتبارها، وللقانون كلمته، وللمؤسسة هيبتها.
















