تبدو العودة المتأخرة إلى "المسألة القبلية" في جنوب اليمن، وفي حضرموت على وجه الخصوص، بمثابة ارتداد نكوصي عن مشروع الدولة الحديثة، غير أن التدقيق في تفكيك هذه الظاهرة يكشف عن ديناميات أعقد بكثير من مجرد حنين لـ "زمن ما قبل الدولة"؛ فالقبيلة هنا لا تعيد إنتاج نفسها بآلياتها القديمة، بل يجري استدعاؤها، أو بالأحرى توظيفها، في سياق صراع محتدم على الجغرافيا والثروة والنفوذ، وسط فراغ سياسي وسيادي مخيف تركه تآكل مؤسسات الدولة المركزية.

إنها قراءة في تحولات البنية الاجتماعية التي لم تكن يومًا صلبة ومستقرة، بل خضعت لمشاريع ترويض وقمع وإعادة إنتاج، صاغتها الأنظمة المتعاقبة منذ الحقبة الاستعمارية وحتى زلزال الحرب الراهنة، مما جعل من "الحراك القبلي" الحالي حمال أوجه؛ يراوح بين كونه شبكة أمان اجتماعية مؤقتة، وبين تحوله إلى عقبة كأداء في طريق التأسيس لمدنية منشودة.

لقد عرفت حضرموت تاريخيًا نمطًا فريدًا في تنظيم علاقاتها البينية، حيث شكلت القبيلة، بتركيبتها الهرمية الممتدة من "الدار" إلى "الزي" أو الحلف، عصبًا رئيسًا في مجتمع يتسم بالتعددية الفئوية، لكن هذا الثقل الديموغرافي المفترض لم يمنع القبيلة من الخضوع لسياقات العصرنة المبكرة، سواء عبر سياسة الترويض البريطانية التي ذوبت بأس القبائل في تشكيلات شبه نظامية كـ "جيش البادية"، الذي تحول وظيفيًا إلى ما يشبه منظومة إغاثية وتنموية لحماية التخوم، أو عبر المقصلة الأيديولوجية للحكم الاشتراكي في الجنوب خلال السبعينيات. في تلك الحقبة، جُرّدت القبيلة من مخالبها بتجريدها من السلاح بقوة القانون والدولة، ليتحول "القبيلي" من محارب يذود عن حماه إلى "مواطن" مندمج في جهاز الدولة، ولم يتبق من الإرث القبلي سوى أبعاده الرمزية والاجتماعية كأنساب وأرحام، وهو ما خلق أرضية مدنية متقدمة، ظن الكثيرون أنها غير قابلة للارتداد.

إلا أن هذا المسار التحديثي القسري تعرّض لانتكاسة كبرى بعد عام 1990، حين استدعى نظام وحدة مايو الإقصائي أدواته التقليدية لإعادة صياغة الجنوب وفق نمط "الهيمنة القبلية" السائد شمالًا، فجرى نبش الولاءات الضيقة، وضُخت الأموال والأسلحة لإحياء النعرات، ومُنحت الألقاب الطارئة مثل "المشايخ" في بيئة حضرمية لا تعرف سوى "المقادمة". هذا الاستدعاء المصطنع لم ينجح في إعادة القبيلة كمنظومة إنتاجية أو سيادية أصيلة، لأن ركائزها الاقتصادية والأعراف المنظمة لها كانت قد تلاشت، بل أسفر عن ولادة مسخ مشوه؛ "قبيلة ريعية" ترتبط مصالح قياداتها بالمركز السياسي، وتُستخدم كأداة لتقسيم المجتمع وضمان السيطرة عليه، وتكريس حالة الفوضى المنظمة عبر انتشار السلاح الشخصي مجددًا كبديل للأمن الرسمي.

مع انفجار الأزمة اليمنية عقب عام 2011، وتعاظم الشعور بالظلم التنموي والاقتصادي لدى أبناء حضرموت الذين رأوا ثرواتهم النفطية تُنهب دون انعكاس ملموس على واقعهم، اتخذ الحراك القبلي منحى تصحيحيًّا ومطلوبيًا، تمثّل في "الهبة الشعبية" التي قادها المقدم سعد بن حبريش. هنا، تحولت القبيلة إلى رافعة سياسية واقتصادية لانتزاع الحقوق المحلية، متجاوزة إطارها القبلي الضيق لتضم تحت لوائها فئات مدنية وسياسية ودينية متعددة، غير أن هذا التحول حمل في طياته مفارقة بنيوية؛ إذ اضطرت السلطة المركزية للتعامل مع المطالب الشعبية عبر أدوات "التحكيم القبلي" التقليدي (العدال)، مما عكس عجز الدولة عن تقديم حلول قانونية ومؤسسية، ورسخ قناعة مجتمعية بأن القبيلة هي الكيان الوحيد القادر على حماية الأفراد وتحقيق مكاسبهم في زمن انهيار الدولة.

هذا الحضور القبلي الطاغي تكرس بوضوح أكبر مع سقوط ساحل حضرموت بيد تنظيم القاعدة في عام 2015، حيث تجلى الارتباك والبراغماتية القبلية في البداية، قبل أن تسهم الوجاهات القبلية، تحت مظلة المرجعيات الدينية والأكاديمية، في صياغة "المجلس الأهلي الحضرمي" كصيغة لإدارة الفراغ ومنع انزلاق المحافظة نحو المجهول.

إن نجاح القبيلة، بالتحالف مع قوى المجتمع الأخرى، في الحفاظ على حد أدنى من السلم الأهلي واستقرار الخدمات خلال تلك الأزمة، لا ينبغي أن يُعمي البصر عن حقيقة مقلقة: وهي أن هذا الصعود يمثل استجابة غريزية لغياب البديل المؤسسي، وليس خيارًا استراتيجيًّا لبناء المستقبل.

تكمن الخطورة الحقيقية اليوم في التمادي في تفعيل هذا الدور القبلي وتحويله من "حالة طوارئ اجتماعية" إلى "سلطة سياسية دائمة"؛ فالقبيلة، بطبيعتها البنيوية، ترتكز على روابط الدم والقرابة والأعراف الخاصة، وهي قيم تتناقض بنيويًّا مع مفهوم "الدولة المدنية الحديثة" القائمة على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون العام، واحتكار الدولة لوسائل العنف الشرعي.

الإمعان في مأسسة "الأحلاف" و"المرجعيات القبلية" وجعلها الممثل الشرعي للمجتمع، يحمل في طياته بذور تفتيت الهوية الوطنية الجامعة، ويعيد إنتاج المحاصصة القبلية والفئوية، مما يهدد ببلقنة الفضاء العام وتحويل الصراع السياسي إلى صراع هويات فرعية لا تنتهي. فالواجب المعرفي والسياسي يستدعي التمييز بدقة بين تقدير الدور الحمائي المؤقت الذي لعبته القبيلة في منع الانهيار الشامل، وبين التحذير من جعلها بديلًا عن مؤسسات الدولة المدنية، فالاستغراق في هذا الحراك القبلي لن يقود إلا إلى تأبيد المأزق اليمني، وحرمان المجتمع من العبور نحو دولة النظام والقانون التي طال انتظارها.