أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:20 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • عملاق عدن قام من نومه أخيرا.. مشروع عدن الوطني وحق عدن في كتابة مستقبلها

    محمد أنور العدني




    ​ لم تكن عدن في يوم من الأيام مدينة عادية، كانت دائما أكبر من حدودها الجغرافية وأوسع من أي تعريف سياسي متعارف عليه، مدينة صنعت لنفسها مكانا في التاريخ من موقعها وانفتاحها وتنوع أهلها، ومن قدرتها على أن تجمع المختلفين تحت سقف واحد دون أن تطلب منهم أن يكونوا متشابهين.

    لهذا فإن الحديث عن عدن اليوم لا يمكن أن يكون حديثا عن مدينة تبحث عن خدمة أو طريق أو مشروع فقط، المسألة أعمق من ذلك بكثير، نحن نتحدث عن مدينة أرهقتها الصراعات والانقسامات، وأبعدت أبناءها تدريجيا عن حقهم الطبيعي في المشاركة وصناعة القرار وتحديد ما يريدون لمدينتهم أن تكون.

    منذ استقلال عدن في العام 1967م وحتى اليوم، تعاقبت على المدينة مراحل كثيرة، وتغيرت السلطات والمشاريع والشعارات، لكن السؤال ظل قائما، ماذا تريد عدن لنفسها؟ومن يملك حق الإجابة عن هذا السؤال؟
    أعتقد أن الإجابة لم تعد تحتمل التأجيل، عدن تحتاج اليوم إلى أن تتحدث عن نفسها، لا أن يتحدث الآخرون باسمها، ولا أن تتحول إلى ساحة تتصارع فوقها المشاريع السياسية، بينما يبقى مجتمعها في نهاية كل مرحلة أمام الأسئلة نفسها عن الخدمات والاقتصاد والهوية والمكانة والمستقبل.

    من هنا جاءت الفكرة التي آمنا بها منذ الوهلة الأولى، حين بدأنا العمل معا على مشروع عدن الوطني.

    لم نكن نبحث عن اسم جديد يضاف إلى المشهد، ولا عن منصة تنافس أحدا، ولا عن موقع سياسي جديد، كنا نبحث عن شيء أبسط وأعمق، عن مساحة يستطيع فيها العدني أن يقول ماذا يريد، عن مساحة يجلس فيها المختلفون حول طاولة واحدة دون أن يكون الاختلاف سببا للإقصاء، عن مساحة لا تسأل الإنسان من أين جاء قبل أن تسأله ماذا يستطيع أن يقدم لعدن، وعن إطار يعيد الاعتبار لفكرة أن المدينة ليست ملكا لحزب، ولا لمكون، ولا لمديرية، ولا لشخص، ولا لممول، عدن ملك لأبنائها جميعا، وهذا هو جوهر مشروع عدن الوطني.

    المشروع ليس حزبا سياسيا، ولا يسعى إلى السلطة، ولا يريد أن يحل محل الدولة أو المؤسسات، هو منصة مدنية سياسية مستقلة للحوار وإنتاج الرؤى والسياسات العامة بشأن عدن، وهذه ليست صياغة تعريفية، انما هو موقف واضح من المشهد كله، نحن نريد أن ننتقل بعدن من حالة الحديث عنها إلى حالة الحديث معها، ومن أن تكون موضوعا للقرارات إلى أن يصبح مجتمعها شريكا في صناعة القرار، ومن المطالب المتفرقة إلى أولويات واضحة، ومن ردود الأفعال إلى رؤية قابلة للتنفيذ، ومن الصراع على تمثيل عدن إلى العمل من أجل عدن.

    ولهذا لم يكن هدفنا أن نصنع مكون أخرى يضاف إلى رفوف المكونات، كان هدفنا أن نصنع وثيقة عدن التاريخية لتصبح مرجعية عدنية شاملة كل المقاربة السياسية يتفق عليها كل العدنييون، وأن نبدأ من الشارع.

    أن نستمع..أن نجمع المعرفة..أن نعرف أين تقف المدينة فعلا، وما الذي تحتاجه، وما الذي يمكن أن ينجح، وما الذي فشل ولماذا، ثم نحول ذلك كله إلى سياسات قابلة للنقاش والتنفيذ والمتابعة.

    هذه هي الفكرة التي يقوم عليها مسارنا من الصوت إلى السياسة، من الاستماع إلى البيانات، ومن البيانات إلى مختبر السياسات، ثم إلى أوراق عملية تصل إلى الجهات المعنية وتخضع للمتابعة والمساءلة.

    نحن لا نريد عدن مدينة تبحث كل عام عن بداية جديدة، نريدها مدينة تعرف إلى أين تذهب، مدينة آمنة ومستقرة، مدينة لها مؤسسات كفؤة وشفافة، مدينة يحضر فيها الاقتصاد إلى جانب السياسة، والخدمات إلى جانب الشعارات، والإنسان إلى جانب كل مشروع، مدينة تحمي ذاكرتها وتراثها وهويتها المدنية، وتفتح أبوابها للمستقبل، وهذا ليس حلما رومانسيا، هذه هي عدن التي نؤمن أنها قادرة على أن تكون من جديد.

    عدن لا تحتاج إلى المزيد من الانقسام، عدن تحتاج إلى مساحة يتسع فيها الاختلاف ولا يتحول إلى خصومة، تحتاج إلى مواطنة متساوية لا يسأل فيها الإنسان عن أصله أو لهجته أو نسبه أو مذهبه حتى يحصل على حقه في المدينة، وتحتاج إلى الاعتراف بأن تنوعها ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، انما واحدة من أهم نقاط قوتها.

    وهذه ليست شعارات اخترناها الآن، هي المبادئ الحاكمة التي وضعناها منذ تأسيس المشروع أن تكون سيادة القانون فوق الجميع والحوار أساسا للتوافق، التعددية والتنوع، عدم الإقصاء والتمييز، استقلال القرار، الشفافية والمساءلة، المصلحة العامة، الكفاءة، المشاركة المجتمعية، التنمية المستدامة، حماية التراث والهوية والعمل المؤسسي.

    ولذلك فإن مشروع عدن الوطني لا يقول للعدنيين نحن نعرف مستقبلكم، انما يقول لهم تعالوا لنصنعه معا، لا نقول إن لدينا الحقيقة وحدنا، لكننا نقول إن الحقيقة تبدأ من الاستماع، ولا نقول إننا نمثل عدن وحدنا، بل نقول إن عدن أكبر من أن يحتكر أحد تمثيلها، ولا نقول إن السياسة وحدها قادرة على إنقاذ المدينة، نقول إن السياسة حين تنفصل عن المجتمع والمعرفة والقانون تتحول إلى صراع على السلطة، بينما السياسة التي تنطلق من احتياجات الناس يمكن أن تتحول إلى طريق لبناء الدولة والمدينة معا، لهذا اخترنا أن يكون مشروعنا مفتوحا لكل من جعل عدن موطن حياته ومستقبله، دون أن يكون الأصل الجغرافي أو النسب أو اللهجة أو المذهب معيارا للانتماء.

    أنا لا أكتب هذا الكلام باعتباري متفرجا على الفكرة، أنا واحد من الذين حملوها منذ بدايتها، فلقد بدأنا هذا المشروع ونحن نعرف أن الطريق لن يكون سهلا، ونعرف أن الحديث عن عدن بطريقة مختلفة سيضعنا أمام أسئلة كثيرة، وربما أمام اعتراضات أكثر، لكننا نؤمن أن المدينة التي تستحق أن تستعيد مكانتها لا يمكن أن تبنى بالخوف من الأسئلة، ولا بالتردد أمام الاختلاف، ولا بإعادة إنتاج الماضي بالطريقة نفسها.

    نحن نريد أن نفتح بابا جديدا، بابا لا يلغي الماضي ولا ينكر ما عاشته عدن، لكنه يرفض أن يبقى مستقبلها أسيرا له، نريد أن نصل إلى لحظة يستطيع فيها العدني أن يرى أمامه مدينة لا يعيش فيها فقط، انما يشارك في تحديد اتجاهها.

    مدينة تستعيد اقتصادها..تحمي تراثها..تحسن خدماتها.. تمكن شبابها.. تفتح المجال أمام نسائها وكفاءاتها.. تستعيد مؤسساتها.. وتستعيد قبل كل شيء ثقة أهلها بأن صوتهم يمكن أن يصنع فارق حقيقي في المعادلة.

    قد يختلف معنا البعض، وهذا حقه، وقد تختلف رؤى العدنيين حول شكل المستقبل وهذا طبيعي، لكن ما لم يعد طبيعيا أن يظل الاختلاف سببا لتعطيل المدينة.

    عدن لا تحتاج أن نتفق على كل شيء، تحتاج أن نتفق على أنها تستحق أن يكون لها مستقبل، وهذا هو الاتفاق الذي نبحث عنه، ليس اتفاقا سياسيا على حساب أحد، ولا اصطفافا ضد أحد، بقدر ما هو اتفاقا مدنيا على أن مصلحة عدن يجب أن تكون نقطة البداية، أن يكون الحوار طريقنا، والقانون مرجعنا، والحقيقة دليلنا، والمعرفة أداتنا، والمشاركة وسيلتنا، والمستقبل هدفنا.

    نحن لا نعد الناس بالوهم ولا بعدن مثالية، نعدهم بشيء أكثر واقعية، أن نعمل معا من أجل عدن أفضل، وهنا تكمن قيمة مشروع عدن الوطني.

    أن يتحول حب المدينة من شعور إلى عمل، والانتماء إليها من هوية إلى مسؤولية، والشكوى من حالة إلى قضية، والقضية من مطلب إلى سياسة، والسياسة من ورقة إلى قرار، والقرار من وعد إلى واقع، هذه هي عدن التي نريدها، وهذه هي عدن التي تستحقها أجيالها القادمة.

    عدن التي لا يملك فرد ولا حزب ولا مديرية ولا ممول حق احتكار صوتها، عدن التي يكون فيها الاختلاف ثراء، والتنوع قوة، والحوار طريقا، والمشاركة حقا، عدن التي تستعيد وضعها الخاص وخصوصيتها ومكانتها لا لأنها عادت إلى الماضي، بل لأنها صنعت لنفسها مستقبلا يليق بتاريخها، ومن هنا بدأنا، ومن هنا سنستمر.

    عدن أولا.. بالحوار نصنع الرؤية.. وبالمشاركة نبني المستقبل.

المزيد من مقالات (محمد أنور العدني)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال