> المخا "الأيام" خاص:
- معركة هدفها صنعاء أم تصفية الخصوم.. مخاوف من استنزاف المقاومة الوطنية
- من مأرب إلى تعز.. لماذا تصمت الجبهات بينما يشتعل الساحل الغربي؟
تثير التطورات العسكرية على الساحل الغربي تساؤلات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود التصعيد الحوثي الأخير، خصوصًا مع استمرار الهجمات على مدينة المخا ومحيطها، بالتزامن مع حالة من الهدوء النسبي في عدد من الجبهات الأخرى المحاذية لمناطق سيطرة جماعة الحوثيين.
ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن استمرار هذا النمط من المواجهة يفتح الباب أمام فرضية وجود خلل متعمد أو على الأقل عجز سياسي وعسكري داخل مؤسسات الشرعية اليمنية، يحول دون تحويل الهجمات الحوثية على الساحل الغربي إلى معركة أوسع تشمل مختلف الجبهات.
ولا يذهب أصحاب هذه القراءة إلى الجزم بوجود قرار رسمي معلن لاستهداف قوات المقاومة الوطنية، لكنهم يشيرون إلى أن تزامن التطورات الميدانية، وتوقف أو ضعف النشاط العسكري في جبهات مأرب وتعز والبيضاء، في الوقت الذي تتعرض فيه المخا ومحاور الساحل لضغط متزايد، يثير علامات استفهام حول طبيعة إدارة المعركة وأولوياتها.
- تصفية الخصوم
وفق هذه القراءة، فإن المشكلة لا تكمن فقط في الهجمات الحوثية، وإنما في احتمال أن تتحول الحرب إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المناهضة للحوثيين.
ويشير محللون إلى أن تركيز القوة الحوثية على المخا والبرح والساحل الغربي، في مقابل غياب ضغط عسكري متزامن من مأرب وتعز والبيضاء، قد يؤدي عمليًا إلى استنزاف قوة عسكرية منظمة في جبهة واحدة.
وهنا تبرز المخا باعتبارها نقطة اختبار حقيقية لمفهوم "وحدة الجبهات". فإذا كانت الحكومة الشرعية تعتبر الحوثيين خصمًا عسكريًا واحدًا، فإن المنطق العسكري يقتضي أن يؤدي الضغط الحوثي على جبهة إلى تحريك الجبهات الأخرى، بما يفرض على الجماعة توزيع قواتها ومواردها بدلًا من منحها فرصة تركيز قوتها النارية في اتجاه واحد.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل المخا جبهة وطنية يجب إسنادها، أم قوة عسكرية يمكن تركها للاستهلاك التدريجي؟
- ضربات نوعية تستدعي إسنادًا لا حصارًا
وتشير المعطيات الواردة من الساحل الغربي إلى أن التصعيد الحوثي الأخير جاء بعد ضربات نفذتها المقاومة الوطنية ضد مواقع حوثية مرتبطة بالقدرات الصاروخية والبحرية، بما في ذلك أهداف قيل إنها ضمت خبراء أجانب وقيادات عسكرية.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن تفسير التصعيد الحوثي باعتباره محاولة للانتقام من خسائر نوعية يصبح أكثر ترجيحًا، خصوصًا أن المخا لا تمثل مجرد مدينة ساحلية، بل تقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية بسبب قربها من خطوط الملاحة الدولية وباب المندب.
ومن هذه الزاوية، فإن الهجمات المتكررة على المخا ومينائها والمناطق المحيطة بها يمكن أن تكون جزءًا من محاولة لإجبار المقاومة الوطنية على الانتقال من المبادرة الهجومية إلى الدفاع المستمر، بما يؤدي في النهاية إلى استنزافها.
- لماذا لا تتحرك بقية الجبهات؟
هنا تتجه أصابع الاتهام سياسيًا نحو طريقة إدارة الحرب داخل مؤسسات الشرعية، ولا سيما وزارة الدفاع ومجلس القيادة الرئاسي، وسط حديث عن تأثيرات القوى السياسية المتنافسة داخل هذه المؤسسات.
ويذهب أصحاب هذا الطرح إلى أن حزب الإصلاح، الذي يمتلك نفوذًا تاريخيًا داخل قطاعات من مؤسسات الشرعية العسكرية والسياسية، قد لا ينظر إلى صعود قوة عسكرية مستقلة نسبيًا على الساحل الغربي باعتباره مكسبًا خالصًا للمعسكر المناهض للحوثيين.
لكن هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها قراءة سياسية واتهامًا يحتاج إلى أدلة مباشرة، وليس حقيقة مثبتة بقرار أو وثيقة رسمية.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذه الشكوك يكشف مشكلة أعمق تتمثل في غياب غرفة عمليات وطنية موحدة قادرة على إدارة الجبهات باعتبارها أجزاءً من معركة واحدة، لا ساحات منفصلة تخضع لحسابات القوى المحلية.
- مأرب وتعز والبيضاء.. اختبار وحدة المعركة
تمثل جبهات مأرب وتعز والبيضاء أهمية خاصة في هذا السياق. فهذه الجبهات تقع على تماس مباشر أو قريب من مناطق سيطرة الحوثيين، ويمكن لأي نشاط عسكري متزامن فيها أن يخفف من قدرة الجماعة على تركيز قواتها في الساحل.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرحه سياسيون وناشطون: إذا لم تتحرك الجبهات المناهضة للحوثيين عندما تتعرض إحدى أهم تشكيلاتها العسكرية للهجوم، فمتى ستتحرك؟
أما فتح جبهات متزامنة، فلا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة، لكنه يحقق هدفًا أساسيًا يتمثل في منع الحوثيين من احتكار المبادرة العسكرية.
- الخطر يتجاوز المقاومة الوطنية
تكمن خطورة استنزاف المقاومة الوطنية، بحسب هذه القراءة، في أن الخاسر المحتمل لن يكون تشكيلًا عسكريًا بعينه فقط.
فالساحل الغربي يمثل جزءًا من منظومة أمن البحر الأحمر، والمخا تقع في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للملاحة الدولية وباب المندب. وبالتالي فإن إضعاف القوة التي تمسك بخطوط المواجهة هناك قد يخلق فراغًا أمنيًا وعسكريًا تستفيد منه جماعة الحوثيين.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم قوات الساحل الغربي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعمًا لشخص أو تيار سياسي، وإنما باعتباره جزءًا من حماية جبهة استراتيجية تواجه خصمًا يمتلك قدرات صاروخية وبحرية وطائرات مسيرة.
- بين المؤامرة والاختلال
من السهل سياسيًا وصف ما يحدث بأنه"مخطط" للتخلص من المقاومة الوطنية، لكن إثبات وجود مخطط متعمد يتطلب أدلة تتجاوز تزامن الأحداث أو صمت بعض الجبهات.
غير أن عدم وجود دليل معلن على قرار كهذا لا يلغي السؤال السياسي الأهم: لماذا لا يجري إسناد جبهة الساحل الغربي بضغط عسكري متزامن من بقية الجبهات؟
فإذا كان الأمر نتيجة خلافات داخل الشرعية، فالمشكلة خطيرة. وإذا كان نتيجة ضعف في القيادة والتنسيق، فهي أخطر. أما إذا كانت نتيجة حسابات سياسية تتقدم على الاعتبارات العسكرية، فإن ذلك قد يحول الحرب ضد الحوثيين إلى صراع داخل المعسكر المناهض لهم.
وفي جميع الحالات، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف المعركة باعتبارها مواجهة وطنية مع الحوثيين، لا أداة لإضعاف طرف يمني مناهض للجماعة.
- إسناد الساحل ضرورة عسكرية
المطلوب، وفق هذه القراءة، ليس فقط إصدار بيانات التضامن مع المخا، وإنما ترجمة ذلك إلى سياسة عسكرية واضحة: تنسيق عملياتي بين الجبهات، رفع الجاهزية في المحاور الأخرى، منع الحوثيين من نقل قواتهم بحرية بين الجبهات، وتوفير الدعم الذي يسمح للقوات المدافعة عن الساحل بالحفاظ على المبادرة.
كما أن مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع مطالبان بتقديم إجابة واضحة عن طبيعة الاستراتيجية العسكرية القائمة، وما إذا كانت هناك خطة فعلية لإسناد الساحل الغربي.
فالخلاف السياسي بين القوى اليمنية يمكن أن يستمر على طاولة السياسة، لكن تحويل هذا الخلاف إلى عامل يؤثر في تماسك الجبهات قد تكون كلفته أكبر من قدرة أي طرف على تحملها.
وفي النهاية، فإن المعركة في المخا ليست مجرد مواجهة محلية بين المقاومة الوطنية والحوثيين. إنها اختبار لقدرة المعسكر المناهض للجماعة على تجاوز صراعاته الداخلية، وتحديد ما إذا كان الحوثي هو الخصم الأول فعلًا، أم أن الحسابات السياسية بين القوى المناهضة له أصبحت جزءًا من إدارة الحرب.











