السبت, 19 سبتمبر 2026
231
لم تكن رحلة التقنية مجرد رحلة نحو السرعة والكفاءة، بل كانت أيضًا رحلة هادئة نحو الاعتماد. شيئًا فشيئًا، انتقلنا من استخدام التقنية كأداة تساعدنا إلى مرحلة أصبحت فيها تنجز عنا، حتى بدأنا نشعر أن إنجاز كثير من أعمالنا دونها أصبح أمرًا صعبًا.
في بدايات البرمجيات، كانت الرخص تُشترى مرة واحدة وتبقى لسنوات. ثم انتقلنا تدريجيًا من الرخص الدائمة إلى رخص الاشتراك (Subscription)، فأصبحنا ندفع مقابل استمرار الاستخدام. ومع تطور الحوسبة، أصبحت الموارد التقنية تُقاس وتُباع بوحدات أصغر، من المعالج إلى الأنوية ثم إلى وحدات استخدام أدق، حتى أصبحنا ندفع مقابل ما نستهلكه بدقة متناهية.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليأخذ الاعتماد على التقنية إلى مستوى جديد. لم يعد مجرد أداة أسرع، بل أصبح يكتب ويحلل ويبرمج ويبحث ويقترح، ويؤتمت كثيرًا من الأعمال. في البداية نستخدمه لتوفير الوقت، ثم لتسهيل العمل، ثم نعتاد عليه، حتى يصبح غيابه عائقًا أمام إنجاز أبسط المهام.
وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت الآلة أذكى، أصبح علينا أن نحافظ أكثر على ذكائنا نحن.
الخطر الحقيقي ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، بل أن يجعل الإنسان غير قادر على العمل بدونه. فالمبرمج الذي كان يبحث عن الخوارزمية ويفهمها ويكتبها ويصحح أخطاءها، قد يجد نفسه مع الوقت يعتمد على الآلة في كل هذه المراحل، فتتراجع حاجته إلى فهم الأساسيات، لا لأنها لم تعد مهمة، بل لأن الآلة أصبحت تقوم بها نيابة عنه.
والأخطر من ذلك أن هذه الاعتمادية قد تكون في يد عدد محدود من الشركات. عندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة نستخدمها، بل طبقة أساسية نعتمد عليها في أعمالنا. وقد يأتي يوم تصبح فيه تكلفة الـCloud وخدمات الذكاء الاصطناعي في بعض الأعمال أكبر من تكلفة الموارد البشرية التي كانت تنجزها.
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه؛ فهو من أعظم أدوات الإنسان. المشكلة تبدأ عندما نستخدمه لإلغاء التفكير بدلًا من تعزيزه، وتتحول الأداة من وسيلة نتحكم بها إلى ضرورة لا نستطيع الاستغناء عنها.
دعه يكتب الكود، لكن افهمه. دعه يحلل، لكن راجع تحليله. دعه يقترح الحل، لكن احتفظ بقدرتك على بناء حل آخر. استخدمه لتوفير الوقت، لا لتوفير التفكير. فالفارق كبير بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي ليضاعف قدراته، ومن يعتمد عليه حتى يفقد قدرته على العمل بدونه.
وربما يكون التحدي الحقيقي في ظل هذه العاصفة التقنية، خصوصًا لمن أدمن استهلاك ابتكارات الآخرين، أن يحافظ على قدرته على التفكير عندما تتوقف الآلة، وتتعثر الأنظمة، وتصبح التقنية نفسها جزءًا من صراع القوة والمعلومات. فالمشكلة ليست أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى منا… بل أن نصبح نحن أقل ذكاءً لأننا اعتدنا أن يفكر بدلًا منا.