أخر تحديث للموقع
الأحد, 20 سبتمبر 2026 - 12:06 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • نظرية المسافة

    أحمد عبدالله المريسي




    نظرية المسافة في فلسفة القتال اليابانية تقول لا تقترب كثيرا من خصمك، اترك بينك وبينه مسافة السيف، فإن التصقت به فقدت ميزة السيف وتحول الأمر إلى عراك لا يليق بالمحاربين، والسياسة مثل القتال تماما، المبتدئ يظن أن الذكاء أن يلتصق بخصمه، أن يكشفه ويعريه وينهيه أمام الناس، وهذا أول درجات الغباء الاستراتيجي، لأنك حين تلتصق بخصمك تصبح جزءا من معركته، وتتحول تفاصيله إلى تفاصيلك، وسقوطه يلطخك قبل أن يلطخه، أما رجل الدولة فإنه يترك بينه وبين خصمه مسافة، مترا واحدا فقط، هذا المتر ليس فراغا، بل هو كل الفلسفة، فيه يتنفس العقل، وفيه يراجع الخصم نفسه، وفيه تحفظ الكرامات ويحفظ ما يمكن حفظه، ميكافيللي حين قال لا تجرح جرحا صغيرا كان يقصد هذه المسافة، لا تلمس الجلد لمسا خفيفا يسبب الحكة والألم بلا أثر، إما أن تبقى بعيدا وإما أن تحسم الأمر بوضوح، أما اللمس الخفيف فهو استفزاز بلا نتيجة، ونحن اليوم نعيش زمن الالتصاق، الكل ملتصق بالكل، والكل يكتب عن الكل، والكل يرد على الكل، فاختفت المسافة وحين اختفت المسافة اختفت الحكمة، ما نطرحه اليوم هو إعادة اختراع المسافة، أن تكتب فكرة يقرأها الجميع كفلسفة عامة ويقرأها شخص واحد فقط كحقيقة خاصة به، دون أن تذكر اسما ودون أن تلمح لصفة ودون أن تمس كرامة أحد أمام الناس، هذه هي المسافة، هي أن تقول أنا أعرف وأنت تعرف أنني أعرف ولا حاجة لطرف ثالث بيننا، هي معرفة بين عقلين لا تحتاج إلى جمهور ولا إلى شهود، ونحن نترك هذه المسافة لثلاثة أسباب، سبب ديني لأن ديننا علمنا أن من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وأن النصيحة على الملأ فضيحة وأن باب التوبة مفتوح ما دام القلب يريد الرجوع، وسبب سياسي لأن السياسة ليست إلغاء بل إدارة ومن يدير خلافا بحكمة يحفظ خصمه اليوم ليكون شريكه غدا فالدول لا تبنى بمنطق الإقصاء بل بمنطق الاحتواء، وسبب وجودي لأن الإنسان في نهاية الأمر سيواجه نفسه ومواجهة النفس أشد من مواجهة الناس وحين تترك له مسافة ليواجه نفسه بهدوء فأنت تمنحه شرف المحاسبة لا ألم الفضيحة، لهذا فإن هذه السطور ليست موجهة لشخص بعينه ولا لمؤسسة بعينها ولا لحادثة بعينها، هي نظرية عامة في إدارة المسافات موجهة لكل من يمارس الشأن العام في عدن وخارجها اليوم وغدا، اتركوا مترا واحدا بينكم وبين خصومكم لا تقتربوا أكثر منه، ففي هذا المتر تنجو الحكمة وتنجو المودة وينجو ما يمكن إنقاذه قبل أن تضيع الخريطة كلها.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

  • Phone:+967-02-255170

    صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
    كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

    Email: [email protected]

    ابق على اتصال