أخر تحديث للموقع
الأحد, 18 أكتوبر 2026 - 12:12 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حروب تتسع وتحالفات تتصدع وجنوب لا يمكن تجاوز إرادته

    د. عبدالله عبدالصمد




    ​لم تعد المنطقة العربية تواجه أزمات منفصلة يمكن احتواؤها بالتفاهمات المؤقتة أو البيانات الدبلوماسية. نحن أمام تحولات عميقة تعيد رسم موازين القوة، وتختبر صدقية التحالفات، وتكشف إخفاق رهانات سياسية وعسكرية استمرت سنوات طويلة. 

    فمن المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى تصاعد الحرب الحوثية في اليمن واستهداف السعودية، ومن تراجع الثقة بين العواصم الخليجية إلى مستقبل الجنوب العربي، تتشكل معادلة إقليمية جديدة لن يكون فيها البقاء للأقوى عسكريًا بالضرورة، بل للأكثر قدرة على فهم الواقع وبناء شراكات تستند إلى المصالح المتبادلة والاعتراف بالحقوق.

    كشفت المواجهة الأمريكية الإيرانية أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يكفيان وحدهما لفرض تسوية سياسية مستقرة. فالحروب الحديثة لم تعد محصورة في ساحات الاشتباك المباشر، بل تمتد آثارها إلى أمن الطاقة والممرات البحرية والاستثمارات والأسواق، وتفتح جبهات ضغط غير مباشرة تستنزف الخصوم وحلفاءهم معاً. والخطر الأكبر أن يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة، تتوسع فيها دوائر الاشتباك وتتزايد احتمالات الخطأ في الحسابات، من دون أن يمتلك أي طرف تصوراً واقعياً لنهاية المواجهة. 

    كما أن إضعاف إيران عسكرياً لا يعني بالضرورة انتهاء نفوذها الإقليمي، ما دامت شبكات حلفائها والفراغات السياسية التي تستغلها قائمة. وفي المقابل، فإن استمرار سياسات التوسع والتهديد لن يمنح طهران أمناً دائماً، بل سيضاعف كلفة المواجهة عليها وعلى محيطها. ومن الخطأ الاعتقاد أن أمن المنطقة يمكن أن يُبنى على إخضاع طرف بالقوة، ثم ترك أسباب الصراع من دون معالجة.

    وفي اليمن، تتجلى خطورة هذه التحولات بصورة أكثر وضوحًا. فالحرب الحوثية لم تعد شأنًا يمنيًا داخليًا، ولا مجرد ملف أمني تستطيع الرياض إغلاقه بتفاهمات ثنائية، خصوصًا مع امتداد التهديدات إلى الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية والملاحة البحرية. 

    لقد أثبتت التجربة أن التهدئة، عندما لا تستند إلى ضمانات واضحة وتوازن حقيقي للقوة، قد تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الصفوف ورفع سقف المطالب التفاوضية. وإذا كانت الرياض تبحث عن مخرج من المواجهة، فإن الحوثيين يدركون أن استمرار الضغط قد يمنحهم مكاسب إضافية، خصوصًا عندما يتشتت خصومهم وتتنازع القوى المناهضة لهم على النفوذ والقرار.

    وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: كيف يمكن مواجهة قوة تستفيد من انقسام خصومها، بينما تُهدر سنوات من التحالفات والإمكانات في صراعات جانبية؟ لا يكفي إعلان التعبئة العسكرية من دون مشروع سياسي موحد، كما لا يكفي التعويل على التفاوض إذا كان الطرف الآخر يستخدمه لتثبيت مكاسبه وتعزيز قدراته. 

    المطلوب هو الجمع بين الردع الفعلي والتفاوض المحسوب، وبناء استراتيجية تمنع الحوثيين من تحويل التنازلات إلى انتصارات سياسية وعسكرية جديدة، مع إدراك أن معالجة الأزمة اليمنية لا تتحقق بتسويات مؤقتة تتجاهل جذورها.

    ومن أخطر ما تكشفه هذه المرحلة تراجع الثقة بين العواصم الخليجية، بعدما تجاوزت الخلافات حدود التباين الطبيعي في المصالح إلى تنافس يؤثر مباشرة في مسارات الصراع ومستقبل التحالفات. وقد أظهرت التجربة اليمنية أن اختلاف الحسابات السعودية والإماراتية أضعف القوى المناهضة للحوثيين، وفتح المجال أمام مزيد من الاضطراب. فالمشكلة ليست في وجود مصالح مختلفة بين الدول، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى صراع على القوى المحلية، ومحاولة فرض ترتيبات سياسية لا تراعي الواقع الاجتماعي ولا الإرادة الشعبية.

    إن المصالحة الخليجية الحقيقية لا تتحقق بمجرد تنسيق أمني أو تفاهم عسكري مؤقت، بل تتطلب مراجعة صريحة للأخطاء التي قادت إلى تراجع الثقة وتآكل التحالفات. ولا يجوز أن تتحول العلاقات بين الأشقاء إلى معادلة يطالب فيها طرف الآخرين بالتضحية، بينما تُفرض عليهم خيارات لا تنسجم مع تطلعات شعوبهم. فأمن الخليج لا يمكن اختزاله في حسابات دولة واحدة، بل ينبغي أن يقوم على رؤية مشتركة تحمي المصالح المتبادلة، وتحترم استقلال القرار، وتمنع تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة يدفع الجميع ثمنها.

    وفي قلب هذه التحولات تقف المسألة الجنوبية بوصفها اختباراً حقيقياً لجدية أي مشروع إقليمي يدّعي السعي إلى الاستقرار. لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل تطلعات شعب الجنوب إلى استعادة دولته كاملة السيادة لم يؤدِّ إلى حل، بل راكم الاحتقان وأنتج أزمات متجددة. كما أن التعامل مع الجنوب باعتباره ساحة نفوذ أو ورقة تفاوضية لا يمكن أن يصنع شراكة مستدامة. لقد أخطأت الرياض حين تعاملت مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته من زاوية الخلاف حول المشروع السياسي، بدلاً من إدراك أن الجنوب يمتلك إرادة سياسية وقاعدة شعبية ومصالح أمنية لا يمكن تجاوزها، وأن إضعاف القوى الجنوبية ثم مطالبتها بمواجهة الحوثيين لا يصنع معادلة مستقرة.

    والأكثر خطورة أن يُطلب من الجنوبيين الدفاع عن أمن المنطقة، بينما يُحرمون من حقهم في تقرير مستقبلهم السياسي. لا يمكن بناء تحالف صادق على هذه المفارقة، ولا مطالبة شعب بالثقة في ترتيبات لا تعترف بحقوقه الأساسية. فالجنوب لا يحتاج إلى وعود مؤجلة، ولا إلى حوارات تُفرض أماكنها ونتائجها مسبقاً، وإنما إلى مسار سياسي واضح يتيح للجنوبيين الحوار في عاصمتهم عدن، على أساس وطني جنوبي جامع، بعيداً عن الإملاءات والوصاية.

    إن استعادة الدولة الجنوبية ليست مشروعًا ضد السعودية أو أي دولة خليجية، بل يمكن أن تكون أساسًا لعلاقة جديدة قائمة على حسن الجوار وتأمين الحدود ومكافحة التهديدات المشتركة وحماية الملاحة الدولية. غير أن ذلك يتطلب الانتقال من منطق التبعية إلى الشراكة، ومن محاولة احتواء الإرادة الجنوبية إلى الاعتراف بها، ومن التعامل مع الجنوب بوصفه ملفًا أمنيًا إلى احترامه شريكًا سياسيًا يمتلك حق تقرير مصيره. فالاستقرار الحقيقي لا يُفرض من الخارج، ولا يتحقق بإقصاء القوى التي تستند إلى إرادة شعبية، مهما امتلكت الأطراف الأخرى من نفوذ أو إمكانات.

    إن استمرار النهج نفسه ينذر بنتائج أكثر خطورة: الحوثيون يوسعون قدرتهم على الضغط، والثقة الخليجية تتراجع، والقوى المحلية تتنازع فيما بينها، بينما تتحمل الشعوب تكاليف حروب لم تشارك في رسم أهدافها. ولهذا باتت الحاجة ملحة إلى مراجعة استراتيجية شاملة تخفض احتمالات اتساع المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتحمي الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وتعيد بناء الثقة السعودية الإماراتية، وتضع حداً للصراع على النفوذ في اليمن، وتؤسس لمواجهة سياسية وعسكرية متماسكة للحوثيين، بالتوازي مع الاعتراف الصريح بحق شعب الجنوب في استعادة دولته.

    كما ينبغي التوقف عن استنزاف الحلفاء المحليين أو استبدالهم كلما اختلفوا مع حسابات العواصم الإقليمية. فالقوى التي تمتلك جذوراً شعبية لا يمكن تجاوزها بقرارات خارجية، وأي ترتيبات سياسية تتجاهلها ستظل هشة مهما حظيت بالدعم المالي أو العسكري. إن السياسة التي تضعف حليفاً حقيقياً ثم تبحث عن بدائل عند اشتداد الخطر ليست استراتيجية ناجحة، بل دوران في الحلقة ذاتها، لا ينتج سوى مزيد من الخسائر وتعميق الأزمات.

    إن المنطقة أمام فرصة لتصحيح المسار قبل أن تتسع دائرة المواجهات وتصبح كلفة التراجع أكبر من كلفة المراجعة اليوم. فالتفوق العسكري لا يصنع وحده استقرارًا، والتهدئة لا تعني بالضرورة السلام، والتحالفات لا تصمد حين تغيب الثقة والعدالة، كما أن تجاهل إرادة الشعوب لا يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمات وتضخيمها.

    والرسالة الأهم إلى الرياض وسائر العواصم المعنية أن الجنوب العربي ليس عبئاً ينبغي احتواؤه، ولا ورقة يمكن استخدامها ثم التخلي عنها، بل شريك محتمل في معادلة أمن إقليمي جديدة. إن الاعتراف بحقه في استعادة دولته لا يمثل تهديداً للمصالح السعودية، بل قد يكون مدخلًا واقعيًا لحماية الحدود وتأمين الملاحة وبناء شراكة مستقرة في مواجهة التهديدات المشتركة. أما الاستمرار في سياسة الإقصاء، والبحث عن حلفاء بدلاء، ثم العودة إلى القوى نفسها عند اشتداد الخطر، فلن يؤدي إلا إلى تكرار الأخطاء ذاتها.

    لقد حان الوقت للانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن فرض الوقائع إلى احترام الإرادات، ومن التحالفات المؤقتة إلى الشراكات الاستراتيجية. فالمستقبل لن يُبنى بإخضاع الجنوب، ولا بمسايرة الحوثيين، ولا بتنافس الأشقاء، بل بتسويات عادلة وقيادات مسؤولة واعتراف صريح بحقوق الشعوب. وفي لحظة إقليمية بهذا القدر من الخطورة، فإن الحكمة ليست في الإصرار على السياسات القديمة، وإنما في امتلاك الشجاعة لمراجعتها قبل أن تفرض الوقائع الجديدة أثماناً لا يستطيع أحد تحملها.

المزيد من مقالات (د. عبدالله عبدالصمد)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال