الأحد, 18 أكتوبر 2026
792
تبدأ الحقيقة في اليمن حين نتوقف عن تصديق الشعارات الخادعة وننظر إلى الواقع كما هو، بلا تجميل ولا أوهام. فالصراع الدائر في الشمال والجنوب لم يكن يومًا حربًا مذهبية بين سنة وشيعة، بل هو صراع على السلطة والمال بين مراكز النفوذ. سيطرة الحوثيين على معظم المحافظات الشمالية لم تأتِ من معجزة عقائدية، بل من دولة نخرة من الداخل، ومن قوى سياسية وعسكرية ادّعت الدفاع عن الجمهورية ثم آثرت الهرب، لتجعل من الجنوب ساحة صراع مؤقتة بدماء محلية، هدفها تحسين شروط التفاوض للعودة إلى صنعاء.
في هذه المعادلة، وجدت السعودية نفسها في مأزق بين حسابات الميدان المباشرة ولعبة الدول الكبرى؛ إذ تبدو القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، غير مستعجلة على الحسم في باب المندب، بل ترى في التوتر فرصة لإعادة رسم خطوط التجارة العالمية والضغط على منافسيها دون أن تدفع الثمن. والمؤسف أن الأطراف الإقليمية باتت تتعامل مع الحوثي كندٍّ يستحق التفاوض، بينما تُعامل السلطة الشرعية والمكونات الجنوبية كأدوات تابعة بلا صوت حقيقي على طاولة الحل.
هذا المشهد الخارجي ينعكس مأساة على الداخل الجنوبي، حيث يُدفع بالشباب إلى الجبهات تحت ثلاثة دوافع: اندفاع عقائدي عاطفي بلا رؤية سياسية، فقر مدقع جعل الحرب المورد الوحيد لرزق الأسر، وارتزاق سياسي وإعلامي يرفع الشعارات الوطنية أو المذهبية كغطاء للتكسّب المالي. إن تحويل الجوع إلى سلاح هو الجريمة الأكبر، حيث يستغل تجار الحروب دماء البسطاء ليبيعوا ويشتروا المواقف بأسعار يحددها المنفق.
ولا تقف المأساة عند حدود الاستغلال الخارجي، بل تمتد إلى الانقسامات المناطقية داخل البيت الجنوبي؛ نخبة ترى نفسها الوكيل الحصري للقضية وتستدعي شعار استعادة الدولة حين تُستبعد من السلطة، وأخرى مناطقية ترفع شعارات النكاية كلما شعرت بالتهميش، وبينهما كتلة تجارية ووسطى تحاول تفادي الخسارة. هذا التفتت يجعل الجنوبيين يقاتلون ويضحون، ثم يجدون أنفسهم غائبين عن خرائط المستقبل التي ترسمها القوى الكبرى، إنها دوائر مفرغة تشي الى قتامة المستقبل وانخفاض نسبة التفاؤل!.
تتمة القول أن الأزمة اليمنية ليست أزمة دين أو طائفية، بل معركة نهب واستحواذ تشترك فيها النخب المتصارعة.
الدين والمذهب والوطنية والمناطقية ليست إلا أدوات رخيصة لحشد البسطاء ودفعهم إلى المحارق. ولن يبدأ الخروج من هذه الورطة إلا حين يتوقف الناس عن تصديق السرديات المزيفة، وينتقلون من دور الحطب الذي يحترق في حروب الآخرين إلى دور الفاعل السياسي الواعي، المطالب بدولة تقوم على المواطنة والعدالة وحفظ كرامة الإنسان.