الاثنين, 19 أكتوبر 2026
82
الحروب لا تقتل الناس فقط، بعضها يحاول أن يقتل الذاكرة، ويعيد كتابة الهوية، ويصنع من الأطفال نسخة تشبهه.
وهذا هو الوجه الأخطر للصراع في اليمن.
فحين تصل الأيديولوجيا إلى المدرسة، والجامعة، والمنبر، والإعلام، وحين يصبح الفقر والبطالة مدخلًا لاستقطاب الشباب، فإن المعركة لم تعد على الأرض وحدها، بل انتقلت إلى عقل الإنسان اليمني.
الخطر ليس فقط أن يكبر طفل يحمل بندقية، بل أن يكبر وهو يعتقد أن البندقية هي طريقه إلى الكرامة، وأن المختلف عنه عدو، وأن الوطن لا يتسع إلا لمن يشاركه الفكرة والولاء.
ذلك هو الخطر الذي لا تلتقطه الكاميرات.
أن تُسرق طفولة طفل دون أن يشعر، وأن تُختصر أحلام شاب في راتب تمنحه جماعة، وأن تُستبدل هوية وطنية عمرها قرون بولاء ضيق لجماعة أو مشروع.
اليمن أكبر من كل ذلك.
اليمن ليس سلالة، ولا طائفة، ولا جماعة، ولا منطقة. اليمن وطنٌ يتسع لاختلاف أبنائه، ودولة يجب أن يكون القانون فيها فوق الجميع.
ولهذا، فإن استعادة اليمن لن تكون بإعادة بناء الجدران وحدها، بل بإعادة بناء الإنسان اليمني.
نريد مدرسة تعلّم الطفل أن يسأل، لا أن يردد.
وجامعة تصنع عقلًا حرًا، لا تابعًا.
وإعلامًا يجمع اليمنيين، لا يحرّض بعضهم على بعض.
لأن خسارة الأرض يمكن أن تُعالج، وخسارة المؤسسات يمكن أن تُصلح، أما خسارة وعي جيل كامل فثمنها قد يمتد لعقود.
قد تنتهي الحرب في يوم، لكن آثارها في عقول الأطفال قد تستمر جيلًا.
ولهذا، فإن أخطر معركة يخوضها اليمن اليوم ليست معركة السلاح فقط، إنها معركة على السؤال الذي سيحمله الطفل اليمني في مستقبله: هل أنا ابن وطن اسمه اليمن، أم ابن جماعة تريد أن تختصر اليمن في نفسها؟
ومن يربح الإجابة في عقل هذا الطفل، سيكتب مستقبل اليمن.
* رئيس شبكة محامون ضد الفساد