في العلوم العسكرية، لا يُقاس نجاح الجيوش بمدفعيتها ودباباتها فحسب، بل بقدرتها على «السمع والكلام» في أرض المعركة.
هنا يبرز دور سلاح الإشارة، الذي يوصف بأنه «عصب الجيش» و«الجهاز العصبي» الذي يربط دماغ القيادة بعضلات الوحدات المقاتلة.
وغيابه لا يعني مجرد انقطاع الاتصال، بل شللًا كاملًا للجسد العسكري، وتحول الوحدات إلى جزر معزولة لا يربطها رابط.
وهذا ليس تنظيرًا أكاديميًا؛ فالتاريخ العسكري حافل بتجارب أثبتت أن سلاح الإشارة هو الفيصل بين الانتصار والهزيمة.
وإذا أردنا إسقاط هذه الحقيقة على واقع «الشرعية» في اليمن، نجد أنفسنا أمام واحدة من أخطر الثغرات التي أثرت، ولا تزال تؤثر، في مسار الصراع.
الهيكل والمرافقة: من السرية إلى قلب المعركة
عسكريًا، يبدأ التكوين الأدنى لسلاح الإشارة المستقل من سرية، ويتدرج صعودًا عبر الكتيبة واللواء والفرقة، حتى يصل إلى هيئة الأركان العامة.
لكن الأهم من التنظيم الهرمي هو المرافقة الميدانية؛ فسلاح الإشارة لا يجلس في المؤخرة، بل يتقدم مع الوحدات المقاتلة عبر «حضائر إشارة» ومحطات متحركة تلاحق تقدم القوات وتؤمّن الربط بينها وبين القيادة.
دروس التاريخ: عندما يصنع سلاح الإشارة النصر... وعندما يصنع الهزيمة
تجربة النجاح: حرب أكتوبر 1973 – «الشفرة النوبية» التي أربكت العدو
في حرب أكتوبر 1973، لم يكن عبور خط بارليف وحده سر النصر، بل كان سلاح الإشارة المصري أحد أهم الأسلحة الأساسية في المعركة.
فقد فاجأ الجيش المصري نظيره الإسرائيلي باستخدام اللغة النوبية شفرةً للاتصالات، وهي لغة لم يستطع العدو فك رموزها، مما أمّن نقل الأوامر والتعليمات بين القيادة والوحدات دون اكتشافها.
وقد وافق الرئيس السادات على الفكرة، وتم تأسيس كتيبة خاصة من أبناء النوبة لهذا الغرض.
هذا التفوق في «الإشارة» لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل كان عاملًا حاسمًا في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية التي قلبت موازين المعركة.
تجربة الفشل: حرب 1967 – عندما غابت «الإشارة» فغاب القرار
في المقابل، يقدم التاريخ درسًا قاسيًا. ففي نكسة يونيو 1967، كانت الاتصالات مقطوعة بين هيئة عمليات القوات المسلحة في القاهرة وأي قوات في الجبهة، بما فيها قائد الجبهة نفسه.
وقد اكتشف القادة الميدانيون، مثل سعد الدين الشاذلي، أن الاتصالات مقطوعة مع القيادات كافة، مما يعني أن القرارات لم تكن تصل، وأن الوحدات لم تكن تعرف مصيرها.
هذه العزلة التامة لم تكن مجرد «خلل فني»، بل كانت عاملًا رئيسيًا في الانهيار والانسحاب غير المنظم، حيث تحولت الوحدات إلى جزر معزولة لا تعرف ماذا تفعل.
عندما يصاب «الجهاز العصبي» بالشلل: الحرب في اليمن أنموذجًا
في الحالة اليمنية، تتحول هذه المبادئ النظرية إلى أزمة وجودية للشرعية.
فبدلًا من أن يكون سلاح الإشارة درعًا واقيًا، أصبح نقطة الضعف القاتلة التي تستغلها مليشيا الحوثي. وتتجلى مظاهر هذا الخلل في عدة جوانب خطيرة:
1. سيطرة العدو على «شرايين الاتصال»
لا تزال مليشيا الحوثي تسيطر على قطاع الاتصالات والإنترنت في صنعاء، بما في ذلك شركات مثل «يمن موبايل» و«يو». ورغم أن هذه شبكات مدنية، فإنها تحولت إلى «سلاح استخباراتي» بيد المليشيا؛ حيث تستخدمها في التنصت على مكالمات القيادات العسكرية، وتحديد مواقعها عبر الأبراج، وتوجيه الطائرات المسيّرة والمقذوفات نحوها، بل وتصل إلى أخذ أرقام القيادات والتواصل مع الوحدات باسمها.
وقد أقرت الحكومة اليمنية بخطورة هذا الوضع، محذرة من أن البنية التحتية المدنية تُوظَّف في «أنشطة عسكرية واستخبارية».
2. تجميد «شبكة الأمان» العسكرية
كان هناك مشروع لإنشاء شبكة اتصالات عسكرية مستقلة ومؤمّنة، وتم بالفعل استيراد تجهيزاتها.
لكن هذا المشروع، الذي كان سيشكل «سلاح الإشارة» الحقيقي للشرعية، جُمّد بقرار من مجلس القيادة الرئاسي بذريعة وجود شبهات فساد. والأخطر من ذلك أن معدات المشروع ظلت محتجزة لأشهر في منفذ حدودي، قبل أن يتم «تسريبها وبيعها لجهات غير معلومة»، وفقًا لتصريحات خبراء اتصالات يمنيين.
هذا التجميد ترك الجيش الشرعي يعتمد على شبكات المليشيا أو شبكات غير محمية، مما سهّل اختراق هواتف قياداته البارزة.
3. اختراقات «قاتلة» وتفكك الوحدات
يربط خبراء الاتصالات اليمنيون بشكل مباشر بين «الثغرات القاتلة» في منظومة الاتصالات العسكرية للشرعية وبين نجاح الحوثيين في استهداف قيادات ميدانية بارزة.
والأخطر من ذلك ما كشفته إحاطات عسكرية عن أن اختراق الاتصالات لم يقتصر على التنصت، بل استُغل لإرباك الوحدات وخلخلة خطوطها الدفاعية، حيث «فقدت القيادة خلال مرحلة من المعركة القدرة على التواصل المنظم مع عدد من الكتائب، ما أسهم في اتساع الانسحابات وفقدان السيطرة الميدانية».
هذا هو بالضبط سيناريو «الجزر المعزولة» الذي حذرنا منه التاريخ: وحدات تُترك بلا توجيه، فتنهار أو تنسحب عشوائيًا، ليس بسبب التفوق الناري للعدو، بل بسبب انقطاع الخيط الذي يربطها بدماغ المعركة.
4. المرافقة في المعركة... معركة مفقودة
على الورق، يجب أن ترافق سرايا الإشارة الوحدات الشرعية في مأرب والجوف والساحل الغربي وكل مناطق التماس.
لكن واقعيًا، فإن غياب شبكة اتصالات وطنية آمنة ومستقلة يعني أن هذه الوحدات تعمل في ظروف «عمياء وصماء».
فبدلًا من أن تدير المعركة، تجد القوات نفسها مضطرة إلى الاعتماد على وسائل اتصال مدنية مخترقة، أو تعمل بمعزل عن القيادة، مما يفقدها التنسيق ويفتح الباب أمام الهزائم والانسحابات غير المنظمة، وهو ما يتكرر ميدانيًا في جبهات مثل الساحل الغربي.
غياب سلاح الإشارة = غياب غرفة العمليات الواحدة = قيادة عشوائية
وغياب سلاح الإشارة يعني أيضًا غياب غرفة العمليات الواحدة.
فغرفة العمليات لا تُدار بالخرائط والصلاحيات وحدها، بل بتدفق مستمر للمعلومات والمواقف والتقارير عبر شبكة إشارة موثوقة. وعندما تغيب هذه الشبكة، تتعدد «غرف العمليات» الصغيرة أو تختفي، وتفقد القيادة الصورة الموحدة لمسرح العمليات، فتتخذ قراراتها بناءً على معلومات متأخرة أو متناقضة أو شائعات.
والنتيجة أن يتحول مسرح العمليات إلى قيادة عشوائية: أوامر متضاربة، وأولويات متبدلة، واستجابة متأخرة، وانعدام التنسيق بين الجبهات، مما يترك الوحدات تتخبط بين توجيهات متعارضة أو غياب التوجيه أصلًا.
فسلاح الإشارة هو الذي يجعل مسرح العمليات «مسرحًا واحدًا» لا جزرًا منفصلة، وهو الذي يجعل غرفة العمليات غرفة واحدة لا شظايا من القرارات المتفرقة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ماذا يحدث عندما يغيب سلاح الإشارة؟ الإجابة ليست مجرد انقطاع الاتصال، بل انعدام القيادة والسيطرة.
فبدون شبكة إشارة موثوقة، تفقد القيادة قدرتها على إصدار الأوامر ومتابعة تنفيذها، وتتحول الوحدات إلى مجموعات تتصرف باجتهادات فردية؛ فيُضرب الانضباط العسكري في جوهره، ويحل الارتباك محل التخطيط، والاندفاع العشوائي محل المناورة المنظمة. والأخطر أن القوات تبدأ بالتصرف وفق تقديراتها الذاتية، لا وفق خطة المعركة، فتتعدد القرارات وتتضارب التحركات، ويصبح كل تشكيل «جزيرة» تعمل بمعزل عن الأخرى.
وأي معركة تُخاض بلا قيادة وسيطرة لا تشبه معركة نظامية، بل تشبه أوركسترا بلا قائد: كل عازف يعزف على هواه، فتتحول الساحة إلى ضجيج متداخل بدلًا من أن تكون سيمفونية منضبطة. أو هي كسفينة بلا دفة في بحر هائج: حركة بلا اتجاه، وانشغال بلا غاية، ومصيرها الغرق أو الاستسلام للأمواج.
وهكذا، فإن غياب سلاح الإشارة لا يفقد الجيش «صوته» فقط، بل يفقده رأسه وضبطه وتماسكه، ويحوّل أي معركة إلى رد فعل متشظٍّ بدلًا من أن تكون قرارًا منضبطًا.
الشرعية تحتاج إلى سلاح الإشارة
إن سلاح الإشارة في اليمن ليس مجرد فرع عسكري، بل هو امتحان لسيادة الدولة.
فمن لا يملك السيطرة على «الكلمة» في المعركة، لا يملك السيطرة على «الأرض». والتاريخ يثبت أن انتصارات كبرى صنعها سلاح «الإشارة»، كما في أكتوبر 1973، وأن هزائم كبرى بدأت بـ«انقطاع الاتصال»، كما في يونيو 1967.
إن استمرار الشرعية اليمنية في الاعتماد على شبكات يسيطر عليها خصمها، وتجميد مشاريع حيوية لبناء منظومة اتصالات عسكرية آمنة، يعني عمليًا أن «الجهاز العصبي» للجيش الشرعي لا يزال مكشوفًا ومخترقًا، وأن وحداته مرشحة للتحول إلى جزر معزولة في أي مواجهة حاسمة.
واستعادة هذه القدرة ليست ترفًا تقنيًا، بل هي شرط وجودي لأي مشروع عسكري وسياسي يسعى إلى فرض سيطرته وإنهاء الانقلاب.
من بيروت إلى طهران: حين تصبح «الإشارة» سلاحًا للعدو
إذا كانت التجارب التاريخية قد أثبتت أن غياب سلاح الإشارة يعني الشلل، فإن السنوات الأخيرة قدمت أدلة ميدانية مروّعة على أن اختراق سلاح الإشارة لا يقل فتكًا عن غيابه، بل قد يكون أشد قسوة.
فلم يعد العدو يكتفي بقطع الاتصال، بل أصبح يتسلل إليه، ويسيطر عليه، ويحوّله إلى سلاح موجّه ضد صاحبه.
وهذا ما تجلّى بوضوح في حادثة أجهزة البيجر التي ضربت حزب الله في سبتمبر 2024، حين فجّرت إسرائيل آلاف أجهزة الاتصال اللاسلكي التي يستخدمها عناصر الحزب.
لم تكن العملية مجرد تفجير أجهزة، بل كانت اختراقًا كاملًا لسلسلة التوريد؛ إذ أنشأت المخابرات الإسرائيلية شركات صورية لبيع أجهزة مفخخة لحزب الله، في واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيدًا.
وأوقع الهجوم أكثر من 3500 ضحية بين قتيل وجريح، في أكبر اختراق أمني في تاريخ الحزب.
والأخطر من ذلك أن هذا الاختراق لم يتوقف عند الأجهزة، بل امتد ليشمل منظومة القيادة والسيطرة بأكملها.
فبعد تفجير أجهزة البيجر، اعترف حزب الله بأنه لم يعد يسيطر على شيء، واضطر إلى إعادة النظر في كل وسائل اتصالاته.
وهنا ظهرت النتيجة القاتلة: فقدت القيادة قدرتها على إخفاء مواقعها، وكشف ضباط إسرائيليون أنهم كانوا يعرفون مكان الأمين العام حسن نصرالله «في كل دقيقة»، وأنهم اغتنموا ارتباك الاتصالات لتصفيته هو وعدد من كبار القادة، بما في ذلك خليفته هاشم صفي الدين.
وهكذا، تحوّل سلاح الإشارة لدى حزب الله من أداة قيادة إلى دليل استهداف، ومن درع حماية إلى باب مفتوح للاغتيالات.
ولم يتوقف الأمر عند حزب الله، بل امتد إلى الدولة التي تقف خلفه.
ففي المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، لم تقتصر الضربات على الصواريخ والطائرات، بل سبقتها حرب سيبرانية استهدفت شبكات الاتصالات والقيادة الإيرانية بشكل مباشر.
فقد عطّلت إسرائيل الاتصالات في مجمع كان يتواجد فيه المرشد الأعلى علي خامنئي، وسيطرت على أبراج اتصالات خلوية في محيطه، ما منع فرق حمايته من تلقي التحذيرات. والأخطر أن القيادة السيبرانية الأمريكية عطّلت شبكات الاتصال خلال الضربات، تاركة الجيش الإيراني «من دون قدرة على الرؤية أو التنسيق أو الرد بفعالية».
ولم تكن هذه القدرات وليدة اللحظة، بل سبقها اختراق طويل الأمد لشبكات كاميرات المراقبة في طهران، استُخدم لتتبع تحركات المسؤولين ودراسة أنماط تنقلهم عبر الذكاء الاصطناعي، في ما وصفه مصدر استخباراتي بأن «قبل أن تسقط القنابل بوقت طويل، كنا نعرف طهران كما نعرف القدس».
بل إن إيران نفسها أقرت لاحقًا بأنها تتعرض لـ«حرب سيبرانية واسعة»، واضطرت إلى قطع الإنترنت والاتصالات على مستوى البلاد كإجراء دفاعي.
إن هذه الأمثلة تثبت أن معادلة القوة العسكرية قد تغيّرت جذريًا.
فلم يعد سلاح الإشارة مجرد أداة اتصال بين القيادة والوحدات، بل أصبح ساحة معركة قائمة بذاتها.
ومن لا يملك سيادة كاملة على شبكاته، ويؤمّنها ضد الاختراق، ويبني منظومة اتصال وطنية مستقلة ومحصّنة، فإنه لا يواجه خطر «فقدان الاتصال» فحسب، بل يواجه خطر أن يتحول اتصاله إلى سلاح يُوجَّه إلى رقبته.
وهذا الدرس، الذي دفع حزب الله وإيران ثمنًا باهظًا له، هو ذاته الدرس الذي يجب أن تدركه الشرعية اليمنية قبل فوات الأوان: فمن لا يملك «إشارته»، لا يملك قراره، ولا يملك حتى أمن قياداته.
ملاحظة حول المصادر
استند هذا المقال إلى تقارير إخبارية وتحليلات منشورة، بما في ذلك تصريحات خبراء اتصالات يمنيين مثل المهندس رائد الثابتي، وبيانات الحكومة اليمنية، وإحاطات عسكرية حول جبهات الساحل الغربي، إضافة إلى مصادر تاريخية توثّق دور سلاح الإشارة في حرب أكتوبر 1973 وحرب 1967.
بعض المعلومات المتعلقة بتجميد مشروع الاتصالات ومصير معداته أو اتهامات الاختراق الداخلي لا تزال موضع تداول إعلامي، ولم تصدر بشأنها تأكيدات رسمية قاطعة من وزارة الدفاع اليمنية، وقد تكون محل جدل.