لكي يبقى الجميل في عينيك جميلًا، لا تقترب منه كثيرًا؛ فالبعض أجمل من بعيد، فحافظ على المسافة بينك وبينهم.

هذه ليست نصيحة عاطفية عابرة، بل هي درس سياسي بامتياز.

فالسياسة، في جوهرها، ليست فقط صراع إرادات، ولا مجرد توزيع مناصب، ولا معارك شعارات.

السياسة الحقيقية هي فن إدارة المسافات بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والمجتمع، بين القائد وقاعدته، بين الحزب والشارع، بين المبدأ والمصلحة، بين الحلم والواقع.

ومن لا يحسن إدارة هذه المسافات، إما أن يصطدم بغيره، وإما أن يتجمد وحيدًا.

لقد علمتنا الكتابة أن نترك مسافة بين الكلمة والكلمة لكي يفهم الآخرون ما نكتب.

وفي السياسة، يجب أن نترك مسافة بين الشعار والتنفيذ، وبين المبدأ والمصلحة، وبين الحلم والواقع.

فالشعار الملتصق بالتنفيذ بلا مسافة يتحول إلى كذب، والتنفيذ المبتعد عن الشعار بلا مسافة يتحول إلى خيانة.

لأن الشعار حلم، والتنفيذ واقع، ومن زعم أنه بلغ بالواقع الحلم كاملًا فقد كذب، ومن تخلى عن الحلم ولم يسعَ إليه فقد خان.

والصدق أن تعترف بالمسافة بينهما، وأن يكون العمل لتقليصها ميزان الوفاء.

والمسافة هنا ليست فراغًا، بل مساحة للعقل والمراجعة والتصحيح.

وهي التي تسمح للسياسة أن تتنفس، وللناس أن يفهموا، وللخصوم أن يتحاوروا بدل أن يتصادموا.

وعلمتنا حركة المرور أن نترك مسافة بيننا وبين السيارة التي أمامنا؛ حتى لا نصطدم بها.

وفي السياسة، هذه المسافة هي الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام المعارضة، والتداول السلمي.

حيث لا مسافة، يقع الاصطدام وينتج عنه استبداد يقمع، أو فوضى تلتهم.

وحيث لا مسافة، لا تستطيع الدولة أن تسير، ولا يستطيع الناس أن يأمنوا.

فالقانون هو خط المسافة بين السلطة والحرية، والدستور هو الإشارة التي تنظم المرور بين المصالح والرغبات.

وعلمتنا حركة الحياة أن نترك مسافة بيننا وبين الآخرين؛ حتى نفهم جيدًا وحتى لا نتصادم معهم.

وفي السياسة، هذه هي المسافة بين القائد وقاعدته، بين الحزب والشارع، بين الحليف والحليف.

القائد القريب جدًا يخنق المبادرة، ويملك الناس، ويحول الولاء إلى عبادة؛ والبعيد جدًا يفقد الثقة، وتبرد العواطف، وينقطع عن وجع الناس.

والمهارة السياسية الحقيقية أن تكون قريبًا في الإنصات، بعيدًا عن التسلط؛ قريبًا من الوجع، بعيدًا عن الغرور؛ قريبًا من الناس، بعيدًا عن المصالح الضيقة.

وتذكر دومًا أن ضبط المسافات من أكبر سنن هذا الكون ودلائل عظمته.

وأن سير الكواكب الدقيق مرتبط باحترام المسافات؛ فلو اقتربت الشمس منا ميلًا واحدًا فقط، لاحترقت الأرض، ولو ابتعدت عنا ميلًا، لتجمد كل ما حولنا.

وهذا بالضبط ما يحدث في السياسة عندما يختل ميزان المسافات: سلطة تقترب من المجتمع أكثر من اللازم فتحرق حرياته؛ أو تبتعد أكثر من اللازم، فتتجمد الثقة والخدمات.

والاقتصاد كذلك: دولة تتدخل حتى تخنق، أو سوق تتحرك حتى تفترس.

والاشتراكية الديمقراطية، في جوهرها، ليست إلا فنًا رفيعًا لإدارة هذه المسافات؛ فهي عدل بلا استبداد، وحرية بلا فوضى، ومساواة بلا إلغاء للفرد، ومشاركة بلا وصاية.

وفي واقعنا، أزمتنا السياسية في كثير من وجوهها أزمة مسافات: بين الشمال والجنوب، بين الثورة والسلطة، بين المكونات والأحزاب، بين القيادة والشباب، بين الماضي والمستقبل.

من يريد إذابة كل شيء في بوتقة واحدة يحرق التنوع، ومن يريد تمزيق كل شيء يعزل الجميع ويجمد المصالح المشتركة.

السياسة الناضجة لا تلغي المسافات، بل تنظمها: لا وحدة تذيب الهويات، ولا استعادة دولة الجنوب تمنع انسياب المصالح بين شعبي الشمال والجنوب.

ولا قيادة تحتكر القرار، ولا جماهير تُترك بلا أفق.

والشباب، خاصة، ليسوا أدوات في يد هذا الطرف أو ذاك؛ إنهم يحتاجون إلى مسافة تحميهم من التبعية، وقرب يضمن مشاركتهم، ووعي يجعلهم قادرين على قياس المسافة بين الحق والباطل، وبين الصبر والانفعال، وبين النقد والهدم.

إن إدارة المسافات ليست تكتيكًا انتهازيًا، ولا مراوغة سياسية، بل هي عقل سياسي وثقافة ديمقراطية.

فمن لا يحسنها إما يصطدم بغيره، أو يتجمد وحيدًا.

والسياسة التي نريد هي التي تعرف متى تقترب من الناس، ومتى تبتعد عن المصالح الضيقة؛ متى تحاور الخصم، ومتى تحسم الموقف؛ متى تحلم، ومتى تترجم الحلم إلى برنامج.

ولكي نعرف فن إدارة المسافات بين الدول، علينا أن نقف أمام تطورات المشهد؛ ففي العاشر من سبتمبر 2026م، أعلنت مليشيات الحوثي سيطرتها الكاملة على مدينة المخا، آخر معاقل الشرعية على الساحل الغربي، لتطوي بذلك صفحة عشر سنوات من الوجود الحكومي على أهم ميناء في البحر الأحمر.

ولم يكد المشهد يستقر حتى توالت سقوط ميون، ثم حنيش الكبرى، ثم حنيش الصغرى، حتى باتت مليشيا الحوثي تطل على باب المندب من الضفة الشرقية، وتمسك بمفصل التجارة العالمية الذي يمر عبره ما يقارب 12% من حجم التجارة الدولية.

وقد جاء هذا التقدم العسكري بعد أشهر من التصعيد في البحر الأحمر، حيث استهدفت المليشيا السفن التجارية والمدمرات الأمريكية، وردت واشنطن ولندن بضربات جوية على مواقع الحوثيين في صنعاء والحديدة.

لكن هذه الضربات، كما يقول المراقبون، لم توقف التقدم، بل دفعت المليشيا إلى الإسراع في حسم الساحل الغربي قبل أي وقف محتمل لإطلاق النار.

الموقف الدولي من هذا التطور الذي شهدته اليمن في 9 سبتمبر يكشف عن مسافة محسوبة بعناية.

ففي الوقت الذي طلبت فيه الرياض من واشنطن تدخلًا عسكريًا مباشرًا لوقف التقدم الحوثي، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانجرار إلى حرب جديدة، واكتفى بتقديم دعم استخباراتي ولوجستي محدود.

أما مصر، التي فقدت أكثر من خمسين مليار دولار من عائدات قناة السويس جراء اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، فقد اكتفت بالتحذير من «تدويل باب المندب»، دون أن تتحرك عسكريًا.

وفي المقابل، سارعت إيران إلى اعتبار السيطرة على المخا «انتصارًا استراتيجيًا»، مشيرة إلى أن «محور المقاومة» بات يمسك بمضيقين في وقت واحد: هرمز وباب المندب.

أما إقليميًا، فقد انقسمت المواقف؛ السعودية والإمارات تبحثان عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه، وتركيا تراقب من بعيد، ومصر تدير أزمتها بين حاجة أمنية ملحة ورفض للانخراط في مستنقع اليمن.

وفي خلفية المشهد، تبقى القوى العظمى — واشنطن وموسكو وبكين — على مسافة من الحرب، لا تقترب كثيرًا ولا تبتعد كليًا، تاركة الإقليم يدير أزماته بنفسه.

وفي ضوء هذا التطور، تتكشف العلاقة بين الشرعية والتحالف، وبين المليشيا والراعي الإقليمي، وبين الإقليم والقوى العظمى، كسلسلة من المسافات المختلة، وهو ما نحاول تشخيصه.

ثمة فرق جوهري بين تحالف تنظّمه المسافات وآخر تلتهمه، وبين شرعية تستمد قوتها من قربها من الناس، وشرعية تحترق بقربها من الخارج.

العلاقة بين الشرعية والتحالف الذي يقود عمليات «دعم الشرعية في اليمن» منذ عشر سنوات، باتت مثالًا صارخًا على تحالف اقترب حتى كاد يذوب.

فما كان يفترض أن يكون مظلة مؤقتة لإعادة الدولة إلى صنعاء، تحوّل إلى كيان تتداخل فيه المصالح وتتضارب فيه الأهداف، حتى صار يعاد «هندسة الشرعية» تحت مظلته، بدلًا من أن تُبنى الشرعية على قاعدة داخلية صلبة.

وهنا بالضبط يختل فن إدارة المسافات بين قيادة تقترب من التحالف حتى تفقد هامش قرارها الوطني، وتمنح خصومها ذريعة الاقتراب من الخارج مقابل تهمة التبعية، فيتحول الصراع إلى معادلة استنزاف: تحالف يدير أزمات بدلًا من أن يحلها.

وفي مقابل هذا الالتحام المفرط، تقف مليشيات الحوثي على الطرف النقيض، فهي تقف في مسافة تقترب من إيران حتى تكاد تُلغى.

لم تعد طهران «داعمًا» بعيدًا، بل تحولت مليشيا الحوثي إلى أداة عسكرية تنفذ أجندة الحرس الثوري، وتضع مقدرات اليمن في خدمة مشروع إقليمي يتجاوز حدود البلاد.

وصار الحرس الثوري يوجه عمليات الساحل الغربي، ويشرف على الهجمات، ويمد المليشيا بالأسلحة المتطورة والمسيّرات والصواريخ البعيدة المدى.

إنها مسافة لم تُلغَ فقط، بل تحولت إلى تبعية كاملة.

ومثل هذا القرب المحرق يمنح طهران موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية، لكنه في المقابل يحرق كل شرعية داخلية للمليشيا، ويجعل من أي حوار وطني معها شبه مستحيل، لأن قرارها ليس بيدها.

أما الإقليم — والمقصود به هنا الدول الإقليمية الفاعلة في الملف اليمني: السعودية ودول الخليج وإيران ومصر وتركيا — فهو يدير مسافته مع اليمن بحسابات متقلبة، لكن الإقليم في هذه الحالة، في حقيقته، ليس لاعبًا مستقلًا تمامًا، بل غالبًا ما يكون الإقليم أداة في لعبة أكبر.

فكما أن قوى الداخل اليمني — من سلطة شرعية ومليشيات ومكونات — كثيرًا ما تكون أدوات لدول إقليمية توجهها وتمولها وتستخدمها في صراعاتها، فإن هذه الدول الإقليمية نفسها ليست سوى أداة في يد القوى العظمى، أعضاء مجلس الأمن الدائمين، التي ترسم قواعد اللعبة الكبرى وتدير توازناتها بعيدًا عن أنظار الإقليم.

وفي مقابل هذا التداخل، تقف القوى العظمى — الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا — على مسافة محسوبة من ملف اليمن.

فهي لا تقترب مباشرة من الحرب، ولا تبتعد كليًا عن المصالح.

واشنطن ترفض الانجرار إلى استنزاف جديد في اليمن، وتكتفي بدعم استخباراتي ولوجستي محدود لحلفائها، بينما تجري اتصالات مباشرة مع الحوثيين وتراقب باب المندب عن كثب، لأن أولوياتها الكبرى هي طهران ومضيق هرمز والصعود الصيني، لا جبال اليمن ووديانه.

أما موسكو وبكين، فتبقيان على مسافة أوسع، تتيح لهما الحضور الدبلوماسي والاقتصادي دون التورط العسكري، وتجعلان من اليمن ورقة في توازناتهما مع الغرب.

باريس ولندن، بدورهما، تتحركان في إطار الحلف الغربي «حلف الناتو»، لكنهما أكثر حذرًا من الانخراط المباشر، وتفضلان إدارة الأزمة عبر مجلس الأمن والعقوبات والوساطات.

وهكذا يتكشف المشهد اليمني كسلسلة من المسافات المتداخلة: فقوى الداخل أدوات للدول الإقليمية، والدول الإقليمية أداة للقوى العظمى، والقوى العظمى نفسها تتنافس فيما بينها على رسم خرائط النفوذ.

ومن لا يدرك هذا التداخل، يظن أن الصراع يمني ـ سعودي ـ إيراني فحسب، بينما الحقيقة أن اليمن ساحة يُدار فيها صراع أكبر، ومسافاته لا تُضبط في صنعاء ولا في الرياض ولا في طهران، بل في واشنطن وموسكو وبكين.

وإن إدارة المسافات، في هذا السياق، ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاء لأي مشروع وطني حقيقي يريد أن يستعيد قراره من خارج الحدود.

والدرس أن الشرعية التي تُبنى على مسافة بعيدة من الناس، تظل شرعية هشة، حتى لو حملت اسم «الشرعية» كاملًا.

والتحالف الذي لا يحفظ مسافة بينه وبين الحليف، يتحول من سند إلى عبء. والمليشيا التي تلغي المسافة بينها وبين راعيها الإقليمي، تفقد كل شيء عدا سلاحها.

ومن لا يحسن إدارة هذه المسافات، إما أن يحترق بالقرب، أو يتجمد بالبعد.

المستقبل لا يُبنى بـ«لو»؛ المستقبل يُبنى بـ«هيا»، وبعقول تعرف أن العدل هو المسافة الصحيحة بين السلطة والحرية، وبين الفرد والمجتمع، وبين الحلم والواقع.