• بين ضجيج الجنوب وصمت الشمال
في اليمن، حيث تمتد الحرب كظلٍّ ثقيل على العام الثاني عشر، لا يزال الإعلام يلهث خلف انقسامات الجنوب، يقلّب صفحاتها، ويحصي شقوقها، حتى باتت تلك الحكاية تُروى بكل تفاصيلها. 

ولا أحد ينكر أن الجنوب يعاني تشظياً موجعاً.

 لكن هناك حقيقة أخرى، أكثر إيلاماً وأشدّ عمقاً، تكاد تغيب عن الكاميرا والكلمة وهي أن الشمال، وتحديداً مناطق سيطرة الحوثيين، يعيش تشظياً أقسى، وانقساماً أخطر، وجرحاً لا يُرى لأنه ببساطة لا يُقال.

هنا، في هذا التحليل المتواضع، نحاول أن نرفع الصوت قليلاً فوق الضجيج، لنقول ما يُقال همساً إن ما يجري في الشمال ليس مجرد انقسام سياسي عابر، بل إعادة تشكيل قسرية للنسيج الاجتماعي بأكمله.
  • أولاً: حين يُعاد تصنيف الناس
في مناطق سيطرة الحوثيين، لم تعد الحرب مجرد معارك على الأرض، بل صارت معركة على الهوية.
  •  جرى فرز اجتماعي بارد ومنهجي، صُنّف فيه الناس كأنهم بضاعة في مخزن:
· القناديل 

هؤلاء هم  من يُمنحون شرف الجلوس على كراسي الحكم، يلمعون كالزجاج في الضوء.

· الزنابيل

يطلق عليهم في مناطق الحوثي الزنابيل لانهم ليسو هاشمين وفي مناطق الشرعية المتحوثون فهم وقود حرب وهم من يُدفعون إلى الجبهات، كأنهم حطب لا ينطفئ.

· الهاشميون

من يدّعون حقاً إلهياً في الحكم، لأنهم أحفاد الرسول وصطفاء سلاليا في المجتمع.

· الأقيال

هذه الفئة ظهرت في صنعاء وهم من شريحة المثقفين وقد دفعهم التميز العنصري لمليشيات الحوثي الى الظهور وجعلهم يدّعون حقاً تاريخياً في الحكم ، لأنهم أحفاد ملوك سبأ وقد تبنوا هذت الطرح نكاية في المشروع ولذا تجدهم يتحدثون على هذا المشروع على استحياء.

· ثم يأتي الباقون: جمهوريون، سلاليون، وطنيون، عملاء، مخبرون... تصنيفات تتكاثر كالفطر، وتفصل الناس عن بعضهم كما يفصل السيف بين الرقبة والجسد.

هذا الفرز لا يكتفي بتقسيم الناس، بل يعيد إنتاج طبقات ما قبل الثورة، ويسحق فكرة المواطنة المتساوية التي قامت عليها الجمهورية.
  • ثانياً: خمسة أطراف... خمسة أقدار
1. مليشيات الحوثي: من يدّعي السماء

هم الطرف الأقوى عسكرياً وسياسياً. مشروعهم يقوم على ركيزتين: الاصطفاء السلالي في المجتمع، والحق الإلهي في الحكم، والعودة بالزمن إلى ما قبل ثورة 26 سبتمبر 1962. يرفعون شعار "المسيرة القرآنية"، ويقاتلون في سبيله، مستخدمين الدين كدرع، والسماء كتاج.

2. السبتمبرون: حرّاس الرمز المهزوم

لم يكونوا يوماً من صنّاع ثورة سبتمبر، بل عاشوا في كنفها، واكتفوا خلال حكم صالح بما تبقى منها: اسم الجمهورية، والعلم، والنشيد، وهامش إعلامي باهت، ولم يدركوا قيمتها إلا بعد أن خسروها.

غير أن عفاش نفسه هو من أفرغ ثورة سبتمبر من محتواها، وحوّل البلد إلى مملكة بغطاء جمهورية: وراثة في الحكم، وتوريث في السلطة، وتخريب ممنهج لمؤسسات الدولة، وتحويل المال العام إلى إقطاعيات خاصة، وقتل لكل صوت حر. 

حكم ثلاثين عاماً لم يكن فيها الجمهورية إلا غلافاً فارغاً، بينما كان الملك يتربّع على العرش من تحت الطاولة.

واليوم، يقف السبتمبرون أمام هذا المشروع السلالي الذي يكمل ما بدأه عفاش، ويرون فيه انتكاسة كبرى، لكن سلاحهم الوحيد مقال في موقع، أو منشور على فيسبوك، أو تغريدة في تويتر. يريدون استعادة الجمهورية... بكلمة.

فكيف يستعيدون ما فرّطوا فيه، وما أفرغه عفاش من معناه؟

3. شباب فبراير: بين المطرقة والسندان

كانوا العمود الفقري لثورة التغيير 2011. فوجدت غالبيتهم أنفسهم بين مطرقة القمع في مناطق الحوثيين، وسندان النكران في مناطق الشرعية. 

قلة قليلة التحقت ببقايا النظام، فنالت مناصب وحظوة، حتى وصل بعضهم إلى رئاسة الوزراء "احمد بن مبارك ومعين عبدالملك". 

لكنهم انغمسوا في الفساد، وصاروا جزءاً من المشكلة. 
وهنا يصدق فيهم قول البردوني:

"غاية التغيير أن تستبدلوا / مكتباً، أو (ماسةً) أخرى بماسهْ / أن تصافوا مَن يعادي شعبكم / مثل راجي الطهر في عين النجاسهْ"

4. تيار عفاش في صنعاء: من الشراكة المفروضة إلى تبخر الأمل
  • كان تيار عفاش الذي ظهر عقب الاطاحة فيه من رئاسة الجمهورية ورئاسة المؤتمر الشعبي العام يستمد قوته من:
· الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

· الكتلة البرلمانية التي كانت تمتلك الأغلبية المطلقة.

· الشبكات الأمنية والعسكرية التي بناها النظام السابق.

لكن ثورة الشباب 2011، وما رافقها من تصدع لأركان النظام، والمبادرة الخليجية، كلها عوامل سلبت هذا التيار الكثير من عناصر قوته، دون أن يدرك ذلك في حينه.

التحالف مع الحوثيين: رهان خاسر

اعتقد تيار عفاش أن التحالف مع مليشيات الحوثي هو الطريق الوحيد لاستعادة السلطة، مستخدماً المليشيات كجسر للوصول إلى هدفه. لكن الأمور جرت خلاف ما خُطط لها فكانت نتيجته هي :

· انتهى التحالف بمقتل علي عبدالله صالح.

· تحول تيار عفاش إلى مجرد "ديكور لا أقل ولا أكثر" في المشهد السياسي.

· فقد التيار قدرته على المناورة السياسية المستقلة
  • طارق عفاش: الأمل الجديد
منذ ظهور طارق عفاش كقوة عسكرية في الميدان، دخل تيار عفاش في صنعاء مرحلة جديدة من إعادة ترتيب حساباته. 

فقد رأى في بروز طارق عفاش كقائد عسكري فرصة جديدة لإحياء مشروعه السياسي المنهار، وعاش على أمل استعادة سلطته التي سُلبت منه عام 2011.
  • لكن هذا الأمل كان معلقاً على عوامل غير مضمونة اهمها :
· طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية

· موازين القوى العسكرية على الأرض.

· مدى قدرة طارق عفاش على تجاوز الإرث الثقيل للنظام السابق.
  • تبخر الأمل: الهزيمة في المخا والساحل الغربي
لم يطل الأمل الذي عقدته قيادات تيار عفاش على طارق عفاش. 

فبعد الهزيمة التي مُني بها في المخا والساحل الغربي، تبخر هذا الأمل وتلاشت معه آخر ورقة كان يراهن عليها هذا التيار.

لم تكن هزيمة طارق عفاش مجرد نكسة عسكرية عابرة، بل كانت ضربة قاصمة أطاحت بآخر أمل لتيار عفاش في العودة إلى المشهد السياسي كفاعل رئيسي للاسباب التالية ؛ 

· فقد طارق عفاش موقعه كقوة عسكرية فاعلة في الميدان.

· تبددت أحلام التيار في استعادة السلطة عبر القوة العسكرية.

· انكشف هشاشة الرهان على طارق عفاش كبديل عن الشراكة المفقودة.
  • التداعيات على تيار عفاش
مع تبخر هذا الأمل، دخل تيار عفاش في صنعاء مرحلة جديدة من الضياع والانكشاف من خلال :

1. فقدان آخر ورقة تفاوضية فلم يعد التيار يملك أي أداة ضغط حقيقية على مليشيات الحوثي.

2. تعميق حالة التهميش ، وتحول التيار إلى مجرد ديكور هامشي لا تأثير له.

3. انعدام أفق المستقبل ، ولم يعد أمام التيار أي مشروع واضح أو طريق للعودة
  • خلاصة تيار عفاش
مع هزيمة طارق عفاش في المخا والساحل الغربي، انتهى آخر فصل من فصول أمل تيار عفاش في استعادة السلطة. 

فقد تبخر الحلم الذي عاش عليه التيار لسنوات، ووجد نفسه اليوم أمام واقع مرير فلا شراكة حقيقية مع الحوثيين، ولا قوة عسكرية خاصة، ولا أفق سياسي واضح.

وهكذا، ينطبق على تيار عفاش ما ينطبق على كثير من القوى في المشهد اليمني فمن راهن على الحرب كطريق للسلطة، وجد نفسه ضحية لها في النهاية.

5. قيادات الأحزاب في صنعاء: أقامة جبرية بلا قضبان

تعيش هذه القيادات في إقامة جبرية غير معلنة. 

لا حركة، ولا نشاط، ولا خروج من صنعاء.

 تمارس السياسة وفقاً لخصوصية الأسر، وتراقب الانتهاكات من بعيد، حريصة على تجنيب نفسها وقواعدها بطش المليشيات.

لكن المفارقة الأشد إيلاماً في موقف هذه القيادات أنها تدرك - في قرارة نفسها - حقيقة يعرفها كثيرون هي أن انقلاب الحوثي لم يكن صناعة يمنية خالصة، بل كان نتاجاً لجندة ابرانية هذه الاجندة ادت الى استدعاء خارجي، وترتيب إقليمي أوسع. 

ومع ذلك، تجد هذه القيادات نفسها مجبرة على تبني موقف الحوثي في التعامل مع التحالف العربي بوصفه "عدواناً"، وفي تفسير الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية بوصفها "مخططاً لضرب محور المقاومة".

هذه القيادات تعرف أن ما تقوله ليس ما تعتقده، لكنها تقوله لأنها لا تستطيع أن تقول غيره. تُمارس عليها سياسة الأمر الواقع، فتصبح شريكاً في خطاب لا تؤمن به، وصوتاً في جوقة لا تشبهها. 

وهكذا، يتحول الصمت إلى تواطؤ، والتواطؤ إلى شرعية مزيفة تُمنح لمن لا يستحقها، بينما تبقى هذه القيادات سجينة بين ما تعرفه وما تُجبر على قوله.
  • ثالثاً: أسئلة تبحث عن أجوبة
السؤال الأول
هل تكفي السيطرة على المخا والساحل الغربي لبسط السيطرة على كامل الشمال؟

ربما تمنح السيطرة العسكرية ميزة استراتيجية، لكنها لا تعني السيطرة الكاملة.

 فالتضاريس معقدة، والنسيج القبلي متنوع، والمقاومة المحلية محتملة ، والجغرافيا لا تُحكم بالبنادق وحدها.

السؤال الثاني
 هل يمكن حكم الشمال دون منغصات؟

حتى لو اكتملت السيطرة الجغرافية، فإن الحكم دون منغصات يبدو بعيد المنال للاسباب التالية :

· المقاومة المجتمعية فشرائح واسعة من المجتمع ترفض المشروع السلالي.

· الأزمة الاقتصادية تفاقم المعيشة يولد استياءً متزايداً.

· العزلة الدولية فالعقوبات والحصار يحدان من أي سلطة.

السؤال الثالث
 هل يمتلك الحوثيون مشروعاً وطنياً جامعاً؟

مشروعهم يقوم على الحق الالهي في الحكم والاصطفاء السلالي في المجتمع وما يمثله من هيمنة أحادية، وهو ما يتناقض جوهرياً مع أي مشروع وطني.

 فبدلاً من إنهاء التشظي، يعمّقونه، ويعيدون إنتاج البنى الطبقية.
  • خاتمة: حين يصمت الإعلام عن الجرح الأعمق
في الشمال اليمني، التشظي ليس حدثاً عابراً، بل حالة مزمنة.

 الحرب لم تُحدث فقط انقساماً بين "شرعيين" و"انقلابيين"، بل أوجدت انقساماً مجتمعياً رهيباً يعيد إنتاج بنى ما قبل الجمهورية.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع يتجاوز التشظي، ويؤسس لتعايش سياسي ومجتمعي.

 لكن ذلك يبدو بعيداً في ظل استمرار الصراع، وتعدد الأطراف، وغياب رؤية موحدة.

يبقى السؤال معلقاً كسيف إلى متى سيظل الإعلام يروي حكاية الجنوب، بينما الشمال ينزف في صمت؟