> تقرير/ رعد الريمي

هلت علينا ذكرى تأسيس تلفزيون عدن الـ(53)، في (11 سبتمبر 1964)، حيث يعد من أوائل التلفزيونات العربية، وثالث تلفزيون بالجزيرة العربية.
اليوم يعاني هذا الصرح الإهمال والنسيان والتنكر لدوره وتاريخه العريق، على رغم ما قدمه من دور بارز رافق كثيرا من مراحل الصراع التي شهدتها عدن.
هذا الصرح الإعلامي المهم والمؤثر بجميع مراحله، باعتباره واحدا من أهم وسائل الإعلام الجماهيري نشرا للعلم والمعرفة وغرس القيم الجمالية الراقية، التي تحمل مسيرة نصف قرن من العمل الإعلامي والثقافي، وثّق للوطن كل مراحله.
فقد بدأت القناة بثها باسم “تلفزيون عدن” قبل أن تتغير تسميتها إلى “القناة الثانية” عقب دخول القوى المنتصرة لمدينة عدن في صيف 1994 م، ليتوقف بثها عقب سيطرة جماعة الحوثي، والقوات الموالية لصالح على مدينة التواهي في 6 مايو 2015م.
لتستأنف القناة بثها منذ عامين من العاصمة السعودية الرياض، وسط اعتراضات ووقفات متكررة من المنتسبين للقناة، على خلفية تهميش العاملين فيها والاستعاضة عنهم بعاملين ومذيعين آخرين.
هذا التداعي يأتي على خلفية ما حملته هذه القناة لمعاناة وتاريخ شعب سجلته في أرصدة الزمان لأولى المدن العربية في الإعلام (عدن)، ومع كل ذلك لازال موظفو ومتعاقدو ومساهمو قناة عدن العاملون فيها ينتظرون الفرج.
*مراحل تطور تلفزيون عدن
لم يكن تلفزيون عدن منذ النشأة منبرا متكامل الأركان، بل كغيره من المنابر الذي يمر بمراحل تارة تتسم بتطويره وتارة بإعادته بعد توقف ما حدث له عقب حرب صيف (1994م) ولعل أهمها هي تطور تلفزيون عدن في يناير 1979م بالانتقال إلى المبنى الحالي بالتواهي مبنى الإذاعة والتلفزيون، والذي تم تجهيزه (أبيض وأسود) وضم 3 استديوهات، أكبرها بمساحة (150) مترا مربعا، ومجهزا بالأجهزة الفنية.
غرفة التنفيذ في الثمانينات
غرفة التنفيذ في الثمانينات

وفي الثامن من مارس عام 1981م تم الانتقال التدريجي إلى البث الملون، والذي مثل مرحلة جديدة من تطور التلفزيون، وجرت إعادة نظم العمل لبث البرامج الملونة، وكذا أجهزة المونتاج والتسجيلات داخل الاستديوهات، حيث تمكن التلفزيون من بث جميع برامجه المحلية بالألوان.
وفي يونيو 1981م جرى الانتقال للتعامل مع الأقمار الاصطناعية عبر المحطة الأرضية للاتصالات، والتي وفرت الإمكانية اليومية لاستلام الأخبار ذات الطابع السريع، حيث تمكن التلفزيون من نقل الأحداث والفعاليات العالمية.
ومن التطورات الهامة التي شهدها التلفزيون إدخال عربات النقل الخارجي، مما زاد من العمل الميداني له، كما أدى ولأول مرة في عام 1981م بدء النقل الحي والمباشر للمباريات الرياضية وبقية الفعاليات داخل الوطن.
وعقب دخول القوى المنتصرة عدن في صيف 1994م صارت التلفزة اليمنية من قناتين الأولى في صنعاء والثانية في عدن.
وعملت الدولة بعد ذلك على إعادة القناة الثانية بعد ما لحق بها من أضرار فادحة في صيف 1994م فقد تم إعادة بناء المحطة، وذلك ضمن المشروع الياباني الذي استكمل في فبراير 2000م، وذلك بتركيب أجهزة حديثة، وتم إعادة تقسيم وتطوير المبنى، كما أضيف استديو جديد، وفي مارس من العام 2008 بدأت البث الفضائي على مدار القمر عربسات.
وبرغم التهميش والإقصاء وعدم تعزيز القناة بالأجهزة الحديثة أو بناء الاستديوهات الجديدة أسوة بقناة (اليمن) الأولى التي تعتبر لدى القيادة السياسية السابقة ووزارة الإعلام هي القناة الأم والرسمية من عام 1990 حتى عام 2011 م، بعدها انفرط العقد بقنوات تملأ الفضاء ولم يعد الفضاء محتكرا من أحد.
في الإستيديو الجديد
في الإستيديو الجديد

أما قناة عدن (تلفزيون عدن التاريخي) ما هو إلا محصلة تاريخية وجدت كرقم ثانٍ ليس له أهمية إلا وقت الاحتياج النادر، ولم تأتِ تسمية القناة الثانية من فراغ بل جاءت لإلغاء دورها ووظيفتها الإعلامية وموقعها الخاص في الجنوب (عدن) إحدى أهم مدن الجزيرة العربية إعلاميا في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
*حربان وتلفزيون عدن ذات المصير
في صيف 2015م مر تلفزيون عدن بتطورات ومنعطفات كبيرة كان آخرها توقف بثه من مكان نشأته في التواهي ونقله إلى مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية بسبب الحرب الغاشمة التي شنتها مليشيات الحوثي وصالح على مدينة عدن.
وهنا يقودنا رأي تتناقله عدد من العقول العدنية حول عودة تلفزيون عدن، وخاصة أن عدن التي شهدت حربين كان التلفزيون أحد أبرز ضحاياهما، ففي صيف 94م تحول تلفزيون عدن إلى القناة الثانية بعد أن كان المنبر الأول وهو ذات المصير الذي مازال يعانيه تلفزيون عدن عقب حرب (2015م) من الإهمال، على الرغم من تأكيد المسئولين المختصين بعودة بث القناة إلى عدن بعد انتهاء الحرب إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن بعد أكثر من عامين من تحرير العاصمة عدن والمحافظات المجاورة.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا لم تعد قناة عدن الفضائية للبث من العاصمة عدن، خصوصا مع تطبيع الأوضاع الأمنية في العاصمة وعودة الحكومة للعمل فيها، الأمر الذي يضاعف حجم الغرابة من استمرار عدم عودة قناة عدن، فهل نرى عودة قريبة لبث قناة عدن من استيديوهات القناة في مدينة التواهي أم إن الوعود بعودتها ستبقى وعودا عرقوبية وحبرا على ورق؟!.
*ذكرى التأسيس.. ولا تهاني
وفي هذا الصدد يقول أحد رواد التلفزيون الإعلامي القدير أحمد محمود السلامي: “تمر علينا ذكرى التأسيس وسط صمت وزارة الإعلام تجاه مصير إذاعة وتلفزيون عدن، بعد أن بحَّت أصواتنا وجفَّ حبر أقلامنا من كثرة الكتابة حول هذا الموضوع، الذي يهم كل مواطن غيور على مقدرات وطنه”.
وأضاف: “ماذا عساي أن أقول بهذه المناسبة وقلبي يعتصره الألم لما وصل إليه حال تلفزيون عدن الحبيب، الذي قضيت في استوديوهاته ومكاتبه وغرفه أكثر من نصف عمري؟.. دخلتهُ شاباً مفعماً بالحيوية والنشاط والجد والعمل والطموح وسأخرج منه وأنا كهل جاوز الستين من عمره، لا أحمل غير خبرتي الطويلة في هذا المجال الإعلامي الدقيق والحساس، وكذلك هو حال الكثير من زملائي وزميلاتي المبدعين الذين هم على قيد الحياة”.
موظفي قناة عدن بإحدى وقفاتهم للمطالبة بعودة القناة
موظفي قناة عدن بإحدى وقفاتهم للمطالبة بعودة القناة

وتابع السلامي متسائلا بحزن: “لا أدري هل من اللائق أن نتبادل التهاني بهذه المناسبة أو نصمت؟ هل نترحم على زملائنا الذين غادرونا إلى العالم الأبدي، أو نتحسر على زملاء آخرين يعيشون بين الحياة والموت بعد أن تدهورت أوضاعهم الصحية بسبب أمراض القلب والسكري وضغط الدم والجلطات التي شلت حركتهم وحرمتهم من التمتع بما تبقى لهم من العمر؟”.
واختتم قوله: “حتماً سيعود تلفزيون عدن ويلبس ثوبا قشيبا في ذكرى تأسيسه في العام القادم، ومن المؤكد أن ترصد دول مجلس التعاون ميزانية ضخمة لبناء مقره الجديد وتجهيزه بأحدث التقنيات الرقمية وتدريب الشباب على تشغيله بعد اختيارهم بطريقة المفاضلة الجادة بعيدا عن المحسوبية والوساطة.. ومن المنطقي في هذا التأسيس الجديد لتلفزيون عدن (التأسيس الثاني) أن لا تُعزى قيادته إلى أشخاص غير أكفاء فاسدين، بل إن قيادة التلفزيون في المرحلة الأولى بعد البناء والتجهيز وتدريب الكادر الفني ستوكل إلى خبرات عالية القدرات المهنية والإخلاص سيتم التعاقد معها لفترة التأسيس”.
*إبداع شاهد
وعطفا على حديث أحد روادها لا يسعنا إلا قول: “إن العاملين في تلفزيون عدن من مبدعي القناة الإعلاميين والمهندسين والفنيين والإداريين أثبتوا خلال الأعوام الماضية وتحديداً منذ عام 1994 م، وتحت الضغط الوظيفي المستمر وإحباطات الأزمات السياسية ومتغيراتها وتأثيراتها المتكررة أثبتوا أنهم بقناتهم المتواضعة مازالوا يعملون بصمت وروعة لا تتكرر، وبإمكانات لازالت تحمل بصمة الترقيع والتبديل والمثابرة على الصيانة والعمل رغم كل التجاهل والإقصاء والتهميش”.
إنها حكاية فتاة جميلة تبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عاما، لكنها بجمال عمرها تزداد أناقة وروعة وإصرارا... قصة قناة اسمها (عدن).. ببوابة عدن أو بمنارة عدن أو بقلعة صيرة أيا كان شعارها.. وقد حاولوا تغيير اسمها ظلما بتسميات اخترعوها حتى تنسى اسمها التاريخي (عدن)، والذي تأسس عام 1964 م وبأمزجة حاقدة عليها سميت (القناة الثانية) إلى تسميتها بـ(22 مايو) إلى (يمانية).. تهربا وتحايلا من أن يسمّوها باسمها (عدن).