في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، كنا (أخي عبدالله وأنا) كثيرا ما نحرص على مشاهدة مباريات كرة القدم على ملعب كرة القدم بالتواهي.

في الغالب يكون أحد طرفي المباريات إما فريق شباب التواهي أو فريق الشعب أو تكون المباراة بينهما، للأسف لم يعد بوسعي أن أتذكر كثيرًا من اللاعبين سوى لاعب خط الدفاع من نادي الشعب واسمه عدنان جاوي (إن لم تخني الذاكرة) ولاعب شباب التواهي المنصوري، إضافة إلى لاعب خط الوسط في فريق شباب التواهي -الذي لا أذكر اسمه- وهو بالمناسبة لاعب ماهر لكن ليس لدي تفسير لماذا كان يصر على اللعب دون حذاء.

أذكر أن أغلب المباريات على هذا الملعب كان يديرها الحكم جلاب خان، الذي كان يأتي إلى الملعب لابسا بدلة الحكام السوداء مكوية ومرتبة، وكان معروفا للجميع أن السيد/ جلاب خان حكم مشهود له بالحيادية والنزاهة والصرامة، حيث كان لا يسمح لأي تجاوز للنظام أو اللعب بخشونة (هردمان حسب المصطلح الدارج حينها)، كما وأنني لم أرَ قط الحكم جلاب مبتسما، على الرغم من أنني لا أستطيع الجزم بذلك لأني كنت أراه من بعيد.

السيد/ جبر الذي للأسف لا أذكر اسمه كاملا، كان يأتي للملعب ويتابع المباراة بكل اهتمام وشغف (كما كنت أظن في البداية)، كان في كثير من الأحيان يأتي للملعب حاملا عصاتين ملفوفتين بقطعة قماش. عند انتهاء المباراة مباشرة كان السيد/ جبر يسرع مهرولا لمنتصف الملعب ويقوم بفتحهما بكلتا يديه لتتحول إلى يافطة سياسية، ثم يرفعها عاليا ويقوم بترديد بعض الشعارات الحماسية (لزوم ضخ الدماء في العروق) تلك الشعارات التي كانت تندد بسلطات الاحتلال البريطاني (آنذاك)، ونتيجة لتوفر عدد كافٍ من مشاهدي المباراة فإنه يوجه الحشد خلفه نحو الطريق الذي يؤدي إلى الشارع بين (البجيشتين) وهو الطريق الذي يسلكه أغلب المشجعين في طريقهم إلى بيوتهم، لكي يضمن سير المظاهرة لعدد أطول من حيث المسافة والوقت.

دقائق قليلة إلا ويكون العشرات خلف السيد/ جبر يرفعون أصواتهم بكل حماس وهمة واندفاع، دقائق أخرى فيقوم السيد/ جبر بتسليم أحدى طرفي اليافطة إلى أحد المتظاهرين المتحمسين، تليها أخرى ليسلم الطرف الأخر من اليافطة لشاب أخر لا يقل حماسة عن الأول، فجأة أجد السيد/ جبر وسط المظاهرة، لحظات أخرى أنظر نحو السيد/ جبر لأراه واقفا يشعل سيجارته وقد ابتعدت عنه اليافطة مع جماهيرها، مودعا إياها بنظرة تجمع الدهاء والمكر والنشوة.

السيد/ جبر قدم لي درسًا مهمًا أفادني كثيرا في حياتي العملية وملخصه: " السياسة لعبة خطرة لا يديرها الحكم النزيه جلاب خان"، لذا علي الابتعاد عنها، وقد كان.