> نهاد جريري:

في هجوم القاعدة الانتحاري الكبير ضد القوات اليمنية السنية في أبين، لفت في مجموعات الأنصار منشورات تمجد الحدث مع محاولة مقنعة لتفسير استهداف القاعدة القوات الجنوبية دون الحوثيين المدعومين إيرانيًا.

يقول أحدهم إن القاعدة ستتفرغ للحوثي بعد الانتهاء من الجنوب، فيما يعرض آخر مقتطفًا من لقاء الزعيم السابق للتنظيم خالد باطرفي المنشور في نوفمبر 2021 اعترف فيه بأن التنظيم "حيّد" أطرافًا في "الصراع" في اليمن. فهل كان يقصد الحوثيين؟ لا شك. الأهم حقيقة هو إحصائية تفاخر بها مناصر آخر تضم هجمات التنظيم ضد القوات اليمنية السنية منذ مطلع العام 2023. صحيح ما تفاخر به هذا المناصر – الأرقام مهولة.

مثلًا في عشرين شهرًا – الفترة من سبتمبر 2022إلى مايو 2024، شن التنظيم 126 هجمة ضد القوات اليمنية. هجمات نوعية استخدمت في بعضها المسيرات. والرقم يتعاظم إذا ضمينا إحصائية الثلاثة أشهر الأخيرة.

هذا ما يتفاخر به المناصر. لكن ماذا لو التفت المناصر إلى عشرين شهراً أخرى – الفترة من يناير 2020 إلى أغسطس 2022؟ لوجد أن هجمات التنظيم ضد الحوثيين في تلك الأشهر كاملة لم تتجاوز 50 هجمة، أي بانخفاض مقداره 60 % عن الهجمات ضد اليمنيين السنة.

الظاهر من هذه الأرقام هو التالي. أولًا، عطّل تنظيم القاعدة القتال – الجهاد – ضد الحوثيين في الربع الأخير من العام 2022. آخر هجمة ضد الحوثيين كانت في 6 يوليو 2022. في سبتمبر ذلك العام، بدأ التنظيم حملة ضد القوات اليمنية. ثانيًا، واضح من الأرقام أن تنظيم القاعدة في قتالة القوات اليمنية كان مدعوماً بالسلاح والعتاد أكثر بكثير مما كان الحال في فترة قتاله الحوثي؛ بالرغم من أن باطرفي في لقاء نوفمبر 2021 الذي أشار إليه الأنصار برر "تراجع" عمليات التنظيم بعسر الحال. كيف تستقيم هذه الأرقام على الأرض مع قاله ويقوله قادة القاعدة وأنصارها؟ هل أصاب التنظيم مالًا وعتادًا يمكنه من شنّ هذا العدد الهائل من الهجمات ضد القوات اليمنية؟ ولماذا لم يتوفر هذا المال والعتاد عندما كان المستهدف هو الحوثي؟.

وكيف يستقيم هذا الكلام مع أحداث البيضاء في الفترة من سبتمبر 2021 إلى يناير 2022 عندما دفعت ألوية العمالقة الجنوبية زحف الحوثيين على المحافظة التي إن سقطت في يد الحوثيين فرّقت شرقه عن غربه وشماله عن جنوبه؟ ولنتذكر أن تنظيم القاعدة كان سببًا في خضوع قيفة – البيضاء للحوثي في أغسطس 2020. مما كتبه اليمنيون في ذلك الوقت: "القاعدة فالحين بستهداف (باستهداف) القوات الجنوبية فقط، وأمام شراذم الحوثة تسلمون الجمل بما حمل“.
  • طالبان الثانية
في الذكرى الثالثة لسيطرة طالبان على أفغانستان لفترة حكم ثانية، ينشغل بعض أنصار القاعدة بسؤال العلاقة بين الطرفين – هل بايع تنظيم القاعدة طالبان؟ وهو سؤال مهم لاعتبارات عقدية وتنظيمية داخل القاعدة تحديدًا.

يجيب مناصر في إحدى المجموعات على التلغرام أن ثمة بيعة لكنها ”بيعة جهاد وليست بيعة تولي“ من دون أن يوضح الفرق بين الاثنتين.

أثيرت مسألة البيعة عندما وقع طالبان اتفاق الدوحة في 2020. الاتفاق ينص على أن تقطع الجماعة علاقتها مع القاعدة فلا تقدم لهم عوناً ولا تأوي منهم أحداً. وعليه، كنا نسأل إن كان قبول طالبان تلك البنود يعني بالضرورة رد بيعة القاعدة.

في كل ما قيل وقتئذ، لم يلجأ المتحمسون لطالبان – منظرين وأنصارًا- إلى التمييز بين أنواع البيعات خروجًا من هذا المأزق الفقهي خاصة عندما نفى مسؤولو طالبان وجود بيعة؛ وذلك في أكثر من لقاء مع "أخبار الآن". وقتئذ لم نسمع بتخريجات بيعة الجهاد أو القتال أو بيعة النساء، إلخ، إلخ.
  • قطيعة في أوساط القاعدة
مع استمرار الحرب في قطاع غزة، لا ينتهي الجدل في أوساط القاعدة حول حكم تأييد حماس. نضيئ على جوانب هذا الجدل لأنه يقع في صلب عقيدة التنظيم خاصة ما يتعلق بتحالف حماس مع إيران. منظرو القاعدة يسكتون، إلى حد كبير، عن هذا السلوك كلما دارت حرب في القطاع؛ وهذا في حد ذاته معضلة – معضلة تعامل الجهاديين مع القضية الفلسطينية التي ما انفكوا ينذرون لها الغالي والنفيس. وعليه، إذا كانت حماس هي من تتصدر هذه القضية، ماذا يعني هذا بالنسبة لمنهج هؤلاء الجهاديين؟

وهكذا، إن اختار المنظرون أن يتحدثوا في الأمر وجدوا مخارج من قبيل "فقه الضرورة" الذي صار في حال حماس وإيران قاعدة لا ضرورة. لكن المفارقة هي أنه إن تحدثوا وجدوا رفضاً من مريديهم إلى حد القطيعة.
  • داعش.. الوجهة إفريقيا
كيف انتقل ثقل داعش من الشرق التقليدي إلى إفريقيا؟ عندما شنت أمريكا هجمات على أهداف متميزة في داعش الصومال في مايو الماضي، علا شأن القيادي هناك عبدالقادر مؤمن زعيم مكتب الكرار في إفريقيا وربما الخليفة الخامس أبي حفص الهاشمي. تردُد اسم مؤمن على هذا النحو كشف عن أن ثقل التنظيم انتقل من الشرق التقليدي إلى إفريقيا الأمر الذي يظهر "براغماتية غير مسبوقة" في التنظيم. الباحثان آوستين دوكتور وجينا ليون كتبا عن هذا التحول في مجلة مكافحة الإرهاب الصادرة عن كلية ويست بوينت العسكرية. يقولان إن هذا التحول له دلالات تتعلق بأولويات هجمات التنظيم وتموضعه الاستراتيجي.

وهذا الأمر يقودنا مرة أخرى إلى داعش خراسان التي برزت في العامين الماضيين فاعلًا قويًا في تنفيذ هجمات داعش الخارجية. لكن اللافت أن هذا الحضور الخارجي يأتي مع تقلص غير مسبوق في قدرات التنظيم في جغرافيته التقليدية – أفغانستان. الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، آرون زيلين، استعرض إحصائية الهجمات التي تبناها التنظيم في الفترة من 15 أغسطس 2018 إلى 15 أغسطس 2024؛ ووجد انخفاض الهجمات في العام الأخير بنسبة 90 % عما كانت عليه في العام 2018/ 2019.

"أخبار الآن"