> محمد أبوالفضل:
مثلت الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة على مدار 15 شهرا أكبر تحد خارجي أمام نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي الحاكم في مصر منذ 11 عاما. تفوقت تحدياتها على كل الحروب والأزمات الحالية في ليبيا والسودان، وأزمة سد النهضة الذي تشيده إثيوبيا على ممر نهر النيل.
كبدت حرب غزة مصر خسائر اقتصادية فادحة لامتناع العديد من سفن الملاحة من المرور في البحر الأحمر ومنه إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس. وتحملت الدولة متاعب كبيرة للدفاع عن الأمن القومي، والنأي عن التورط في أي أزمة خارجية.
ترتيب الأوضاع في غزة بعد وقف الحرب هو أهمية وجودية فائقة لمصر، لأن الخطوة التالية هي تحديد مصير قطاع غزة وتبعيته لأي جهة أو دولة. وتعمل مصر على تثبيت هويته الفلسطينية كي لا يؤثر سلبا على أمنها القومي على المدى البعيد.
على مدار تاريخ مصر تأتي دائما التهديدات الكبرى من جهة الشرق عبر منطقة سيناء، وغالبية الغزوات التي استهدفت الدولة أو الحروب التي خاضتها ضد أعداء جاءت من هذه الجهة. وكانت غزة أحد أهم المفاتيح فيها والأرض التي يمر من خلالها الخصوم إلى داخل مصر.
تتعامل القاهرة مع مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن توطين جزء من سكان غزة في أرض مصر بجدية كبيرة. وأكدت الخطوة مخاوفها مبكرا من تداعيات حرب غزة، واعتبرت هدف إسرائيل الرئيسي منها هو مصر وليس الفلسطينيين فقط.
كانت مصر مستعدة لصد سيناريو التهجير القسري وتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود مع قطاع غزة، حيث تحمل الفترة التالية لنجاح التوطين تحولات إستراتيجية، وإعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط بما يحقق تمدد إسرائيل بشكل واسع، ويجعلها تملك نفوذا كبيرا فيها، وتنهي فكرة إنشاء دولة فلسطينية مجاورة لها.
تسعى الولايات المتحدة للتحكم في النقاط الحيوية بمنطقة الشرق الأوسط. غزة يمكن أن تكون رأس حربة لواشنطن أو مقدمة لخطط سرية لم يعلن عنها بعد. ورد فعل مصر والدول العربية والقوى الكبرى من غزة يحدد شكل التحركات القادمة التي سيقوم بها ترامب لتحقيق طموحات اليمين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. فالرؤية بينهما تكاد تكون متقاربة للتعامل مع الفلسطينيين.
لم تتورط مصر مباشرة في حروب: اليمن وليبيا والسودان، وتحملت تهديدات جماعة الحوثي في اليمن للملاحة في البحر الأحمر. ورفضت استفزازات إسرائيل في محور صلاح الدين (فيلادلفيا) بغزة ولم تشتبك معها حفاظا على اتفاقية السلام معها، وأصرت على التفاوض بشأن سد النهضة وعدم الانجرار لاستخدام الخشونة ضد أديس أبابا بعد تصميمها على تشييد السد ورفض التوقيع على اتفاق ملزم، يحدد وسائل ملء السد بالمياه وعدد السنوات وطريقة التشغيل.
كان الموقف المصري واضحا وحاسما بشأن عدم التدخل العسكري في أي من هذه الأزمات المعقدة، وكان التقدير أن إرسال جندي واحد إلى أي من الأزمات التي تواجهها يعني إرسال كتيبة جنود ثم فرقة عسكرية ثم يتسع التدخل عسكريا، وكان التمسك كبيرا بخيارات التسوية السياسية، خوفا من الوقوع في فخ من خلال إحراجها المتكرر في السنوات الماضية، والتحرش بمصالحها كي ترسل قوات عسكرية خارج الحدود، وقد لا تستطيع العودة بسهولة بعد ذلك.
تفسر هذه الرؤية جوانب كثيرة في الموقف المصري من الحرب على غزة، وتبرر التصميم على عدم الصدام مع مقترح ترامب مباشرة، أو تحويله إلى مواجهة مفتوحة. والموافقة على تقديم خطة بديلة، وتحمل أعباء سياسية واقتصادية جسيمة.
تعلم السلطة في مصر أن آليات التعامل مع غزة سوف تحدد طبيعة دور القاهرة في المنطقة، ولا يريد الرئيس عبدالفتاح السيسي أن يدخل في خلاف ممتد أو صدام طويل يكلف الدولة خسارة ما تتمتع به من أمن واستقرار وتنمية وإصلاحات اقتصادية.
أعدت مصر خطة واقعية لحل أزمة غزة، بالتعاون والتنسيق مع عدد من الدول العربية، تراعي مصالح الفلسطينيين، وحسابات إسرائيل الضرورية، ورؤية ترامب التي يريد من خلالها هندسة الأوضاع في الشرق الأوسط بشكل مختلف، دون أن يؤثر كل ذلك على الأمن القومي.
ويعني ضياع غزة تهديد مصالح مصر بقوة، وانكماشها نحو الداخل، وتعرضها لمشكلات غير معتادة، وعدم وجود فرصة لممارسة أي دور في المنطقة، ويتعارض ذلك مع طبيعة مصر التي لا تميل للانكفاء نحو الداخل، وفي اللحظة التي تنكمش فيها تتزايد التحديات والأزمات الخارجية حولها.
تريد واشنطن في عهد الرئيس ترامب إحلال دول عربية أخرى لديها وفرة مالية مكان مصر في المنطقة التي ظلت لعقود طويلة فاعلة في الحرب والسلام بالشرق الأوسط وقريبة من واشنطن، وتريد واشنطن أيضا تغيير منظومة الأمن القومي العربي.
أنهكت الحروب والنزاعات دول: العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان، وقبلها الصومال. وحان وقت إعلان وفاة جامعة الدول العربية بعد انحسار دورها. وهناك اتجاه لقصر التفاعلات المهمة في المنطقة على بعض دول الخليج الغنية.
يميل الرئيس ترامب إلى توسيع دور كل من السعودية والإمارات بشكل خاص، ويضع أملا كبيرا على تطبيع إسرائيل لعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع الرياض قريبا.
فهمت مصر أن مفاتيح منطقة الشرق الأوسط يريد ترامب رهنها بحسابات اقتصادية، بعد أن نجحت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة في تقليص أذرع إيران عقب ضربات قاسية تعرض لها حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي، والحشد الشعبي في العراق، وحماس في غزة، وخروج إيران من سوريا، وتقليص دورها في لبنان.
تعلم مصر أن الدور التالي قد يأتي عليها ما لم تشارك في الترتيبات التي يريدها ترامب، وتحاول أن تكون مشاركتها تخدم مصالحها أولا، وتفوت الفرصة على استهدافها سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا، وتتحمل القاهرة معاناة شديدة في التوفيق بين مصالحها الحيوية وما يتم التخطيط له من أجل تضييق الخناق عليها وإحراجها.
تتحرك الدبلوماسية المصرية بوعي وحكمة مع الشرق والغرب، والجنوب والشمال، وتسعى نحو تفويت الفرصة على من يريدون تقزيم دورها في المنطقة. وتعلم أن موقعها الجغرافي ووجود قناة السويس منحاها مزايا نوعية لن تفرط فيها، واختارت التعامل بمرونة مع أزمة القطاع، التي يمكن أن تصبح محنة أو منحة، ويتوقف ذلك على أساس مخرجات أزمة غزة السياسية، ونتائجها العسكرية، وهي التي قد تحدد مكانة مصر وطبيعة دورها في الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها تتحرك بمرونة ورشادة.
كبدت حرب غزة مصر خسائر اقتصادية فادحة لامتناع العديد من سفن الملاحة من المرور في البحر الأحمر ومنه إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس. وتحملت الدولة متاعب كبيرة للدفاع عن الأمن القومي، والنأي عن التورط في أي أزمة خارجية.
ترتيب الأوضاع في غزة بعد وقف الحرب هو أهمية وجودية فائقة لمصر، لأن الخطوة التالية هي تحديد مصير قطاع غزة وتبعيته لأي جهة أو دولة. وتعمل مصر على تثبيت هويته الفلسطينية كي لا يؤثر سلبا على أمنها القومي على المدى البعيد.
على مدار تاريخ مصر تأتي دائما التهديدات الكبرى من جهة الشرق عبر منطقة سيناء، وغالبية الغزوات التي استهدفت الدولة أو الحروب التي خاضتها ضد أعداء جاءت من هذه الجهة. وكانت غزة أحد أهم المفاتيح فيها والأرض التي يمر من خلالها الخصوم إلى داخل مصر.
تتعامل القاهرة مع مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن توطين جزء من سكان غزة في أرض مصر بجدية كبيرة. وأكدت الخطوة مخاوفها مبكرا من تداعيات حرب غزة، واعتبرت هدف إسرائيل الرئيسي منها هو مصر وليس الفلسطينيين فقط.
كانت مصر مستعدة لصد سيناريو التهجير القسري وتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود مع قطاع غزة، حيث تحمل الفترة التالية لنجاح التوطين تحولات إستراتيجية، وإعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط بما يحقق تمدد إسرائيل بشكل واسع، ويجعلها تملك نفوذا كبيرا فيها، وتنهي فكرة إنشاء دولة فلسطينية مجاورة لها.
تسعى الولايات المتحدة للتحكم في النقاط الحيوية بمنطقة الشرق الأوسط. غزة يمكن أن تكون رأس حربة لواشنطن أو مقدمة لخطط سرية لم يعلن عنها بعد. ورد فعل مصر والدول العربية والقوى الكبرى من غزة يحدد شكل التحركات القادمة التي سيقوم بها ترامب لتحقيق طموحات اليمين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. فالرؤية بينهما تكاد تكون متقاربة للتعامل مع الفلسطينيين.
لم تتورط مصر مباشرة في حروب: اليمن وليبيا والسودان، وتحملت تهديدات جماعة الحوثي في اليمن للملاحة في البحر الأحمر. ورفضت استفزازات إسرائيل في محور صلاح الدين (فيلادلفيا) بغزة ولم تشتبك معها حفاظا على اتفاقية السلام معها، وأصرت على التفاوض بشأن سد النهضة وعدم الانجرار لاستخدام الخشونة ضد أديس أبابا بعد تصميمها على تشييد السد ورفض التوقيع على اتفاق ملزم، يحدد وسائل ملء السد بالمياه وعدد السنوات وطريقة التشغيل.
كان الموقف المصري واضحا وحاسما بشأن عدم التدخل العسكري في أي من هذه الأزمات المعقدة، وكان التقدير أن إرسال جندي واحد إلى أي من الأزمات التي تواجهها يعني إرسال كتيبة جنود ثم فرقة عسكرية ثم يتسع التدخل عسكريا، وكان التمسك كبيرا بخيارات التسوية السياسية، خوفا من الوقوع في فخ من خلال إحراجها المتكرر في السنوات الماضية، والتحرش بمصالحها كي ترسل قوات عسكرية خارج الحدود، وقد لا تستطيع العودة بسهولة بعد ذلك.
تفسر هذه الرؤية جوانب كثيرة في الموقف المصري من الحرب على غزة، وتبرر التصميم على عدم الصدام مع مقترح ترامب مباشرة، أو تحويله إلى مواجهة مفتوحة. والموافقة على تقديم خطة بديلة، وتحمل أعباء سياسية واقتصادية جسيمة.
تعلم السلطة في مصر أن آليات التعامل مع غزة سوف تحدد طبيعة دور القاهرة في المنطقة، ولا يريد الرئيس عبدالفتاح السيسي أن يدخل في خلاف ممتد أو صدام طويل يكلف الدولة خسارة ما تتمتع به من أمن واستقرار وتنمية وإصلاحات اقتصادية.
أعدت مصر خطة واقعية لحل أزمة غزة، بالتعاون والتنسيق مع عدد من الدول العربية، تراعي مصالح الفلسطينيين، وحسابات إسرائيل الضرورية، ورؤية ترامب التي يريد من خلالها هندسة الأوضاع في الشرق الأوسط بشكل مختلف، دون أن يؤثر كل ذلك على الأمن القومي.
ويعني ضياع غزة تهديد مصالح مصر بقوة، وانكماشها نحو الداخل، وتعرضها لمشكلات غير معتادة، وعدم وجود فرصة لممارسة أي دور في المنطقة، ويتعارض ذلك مع طبيعة مصر التي لا تميل للانكفاء نحو الداخل، وفي اللحظة التي تنكمش فيها تتزايد التحديات والأزمات الخارجية حولها.
تريد واشنطن في عهد الرئيس ترامب إحلال دول عربية أخرى لديها وفرة مالية مكان مصر في المنطقة التي ظلت لعقود طويلة فاعلة في الحرب والسلام بالشرق الأوسط وقريبة من واشنطن، وتريد واشنطن أيضا تغيير منظومة الأمن القومي العربي.
أنهكت الحروب والنزاعات دول: العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان، وقبلها الصومال. وحان وقت إعلان وفاة جامعة الدول العربية بعد انحسار دورها. وهناك اتجاه لقصر التفاعلات المهمة في المنطقة على بعض دول الخليج الغنية.
يميل الرئيس ترامب إلى توسيع دور كل من السعودية والإمارات بشكل خاص، ويضع أملا كبيرا على تطبيع إسرائيل لعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع الرياض قريبا.
فهمت مصر أن مفاتيح منطقة الشرق الأوسط يريد ترامب رهنها بحسابات اقتصادية، بعد أن نجحت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة في تقليص أذرع إيران عقب ضربات قاسية تعرض لها حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي، والحشد الشعبي في العراق، وحماس في غزة، وخروج إيران من سوريا، وتقليص دورها في لبنان.
تعلم مصر أن الدور التالي قد يأتي عليها ما لم تشارك في الترتيبات التي يريدها ترامب، وتحاول أن تكون مشاركتها تخدم مصالحها أولا، وتفوت الفرصة على استهدافها سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا، وتتحمل القاهرة معاناة شديدة في التوفيق بين مصالحها الحيوية وما يتم التخطيط له من أجل تضييق الخناق عليها وإحراجها.
تتحرك الدبلوماسية المصرية بوعي وحكمة مع الشرق والغرب، والجنوب والشمال، وتسعى نحو تفويت الفرصة على من يريدون تقزيم دورها في المنطقة. وتعلم أن موقعها الجغرافي ووجود قناة السويس منحاها مزايا نوعية لن تفرط فيها، واختارت التعامل بمرونة مع أزمة القطاع، التي يمكن أن تصبح محنة أو منحة، ويتوقف ذلك على أساس مخرجات أزمة غزة السياسية، ونتائجها العسكرية، وهي التي قد تحدد مكانة مصر وطبيعة دورها في الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها تتحرك بمرونة ورشادة.
تتسم آليات تحرك مصر في غزة بديناميكية وقدرة على استيعاب أهداف ترامب من دون تحقيقها كاملة له، وهو ما تتبعه في الخطة التي رسمت ملامحها مع كل من الأردن والسعودية وقطر والإمارات، وتحظى بدعم في قمة الرياض يوم الجمعة.
العرب اللندنية