لم تكن المناطقية يومًا مجرد تباين في وجهات النظر أو انعكاسًا للتنوع الثقافي، بل تحولت في تجربتنا الجنوبية إلى شكل من أشكال العنصرية المقيتة، لا تقل خطرًا عن أي خطاب كراهية. إنها تُعمّق الانقسامات، وتُفسد فرص المصالحة، وتقضي على الكفاءات، وتُعطّل التنمية، وتشّل إرادة البناء.

لطالما شكّلت النعرات المناطقية أحد أبرز العوامل التي مزّقت نسيجنا الاجتماعي، ليس في الماضي فقط، بل لا تزال تلقي بظلالها القاتمة على الحاضر أيضًا. فمنذ ما قبل الوحدة، أضعفت هذه الظاهرة كل محاولة لبناء كيان سياسي مستقر، عادل، ومتماسك.

لقد خسرنا كثيرًا؛ ضاع الوطن، وانهار حلم الأجيال، وتعطلت المشاريع الوطنية تحت وطأة هذا المرض الاجتماعي، الذي انتقل من الأفراد إلى السياسات، ومن المجالس الخاصة إلى منابر الإعلام. وما يدعو للأسف أن الجميع يُدرك خطر المناطقية ونتائجها الكارثية، ومع ذلك استمرينا في ممارستها، بوعي أو بدونه، وبذرائع لا تصمد أمام منطق المصلحة الوطنية.

ولا نبالغ إذا قلنا إن جميع الكوارث السياسية والاجتماعية التي شهدها الجنوب منذ الاستقلال عام 1967، كانت المناطقية وقودها الأساسي. فهي التي دفعتنا إلى وحدة مشوهة ومفروضة، حسبناها نجاة، فإذا بها تتحول إلى كابوس. كما كانت وراء نكبة 13 يناير 1986، وما سبقها من صراعات دامية بين أبناء الصف الواحد، انتهت بإغراق الجنوب في دوامة من الدم والتفكك.

وخلال وبعد حرب صيف 1994، استغل الطرف الثاني في الوحدة هشاشتنا الداخلية، وعمّق الجرح الجنوبي مستندًا إلى التباينات المناطقية التي كان يسهل اللعب عليها. واستمر ذلك النهج حتى اليوم، حيث لم يندمل الجرح بعد.

وعندما انطلق الحراك الجنوبي عام 2007 بشعار التصالح والتسامح، شعرنا بأن صفحة جديدة بدأت تُكتب، وأن الجنوب بدأ يتعافى من أوجاعه. غير أن هذا الأمل ما لبث أن تراجع؛ إذ عادت أعراض داء المناطقية لتظهر مجددًا، وبشكل أكثر وضوحًا بعد انتصارات المقاومة الجنوبية في 2015 ضد الحوثيين، في عدن وسائر مناطق الجنوب.

والأخطر من ذلك، أن هذا الداء ما زال قائمًا حتى اللحظة، وتنعكس آثاره بوضوح في التجاذبات داخل الإطار اليمني المتهالك. ففي مشهد عبثي، نجد بعض الجنوبيين يدعمون استمرار الوحدة مع الشمال نكاية بخصومهم، رغم إدراكهم التام لحجم التهميش الذي عاناه الجنوب ضمن تلك الوحدة. وعلى الضفة الأخرى، يتمسك آخرون بمشروع "الأقاليم" الذي فُصّل بأدوات شمالية لتفتيت الجنوب، مستغلين داء المناطقية كأداة لإجهاض أي مشروع وطني جامع يعيد للجنوبيين مكانتهم وحقوقهم.

وفي ظل هذا الواقع، تضيع معادلة المصير المشترك، وتُختزل القضايا الكبرى في خصومات فرعية، وتُدار الملفات الوطنية المصيرية بروح الولاء المناطقي، لا بمعيار الكفاءة والمصلحة العامة. يغيب التسامح، وتُقصى العقول النزيهة، ويعلو صوت التعصب على صوت العقل والحكمة.

ورغم قتامة المشهد، يبقى الأمل ممكنًا. فالتاريخ لا يبخل بالنماذج الملهمة. رواندا، على سبيل المثال، الدولة الأفريقية التي عاشت واحدة من أفظع الإبادات الجماعية بسبب الانقسام العرقي والمناطقي، استطاعت أن تتحول خلال عقدين فقط من جرح نازف إلى نموذج يحتذى في المصالحة الوطنية والنهضة الاقتصادية. فعلت ذلك من خلال العدالة الانتقالية، والاعتراف، والمشاركة، فغدت اليوم من أكثر الدول استقرارًا ونموًا في أفريقيا.

إن النهوض الجنوبي لن يتحقق ما لم نُفكك الذهنية المناطقية المتغلغلة في وعينا الجمعي، ونستبدلها بثقافة وطنية جامعة، تقوم على العدالة، والمساواة، والانتماء المشترك، وتعتبر التنوّع مصدر قوة لا تهديد.

لا يمكن بناء مشروع وطني جنوبي على أساس مناطقي ضيق، بل لا بد أن يقوم على حوار مسؤول، وانفتاح على جميع مكونات المجتمع، بما يُمكّننا من الذهاب إلى مفاوضات الحل الشامل بوحدة صف، وثقة داخلية، وتماسك شعبي حقيقي.

ذلك الحل لن يأتي إلا عندما نتجاوز صراعاتنا الصغيرة، ونتسلّح بقيم التلاحم، والانتماء المشترك، ونبني وطنًا جديدًا ينهض من ركام الفشل، ويتعافى من قرارات الماضي الخاطئة، ويتحرر من داء المناطقية المزمن والخطير.