كل يوم نبدأ صباحنا ونختتم يومنا كذلك، نتصفح هواتفنا الذكية باحثين عن متعة بسيطة: فيديوهات قصيرة، نكات، تعليقات ساخرة، ومقاطع تهريجية تملأ الشاشات. نضحك، نبتسم، وأحيانًا نشارك، نشعر بلحظات استرخاء تُنسينا همومنا. لكن، هل توقفنا يومًا لنسأل أنفسنا: ماذا نفقد في هذه الساعات التي نغرق فيها في بحر التسلية؟

لطالما كانت التسلية متنفسًا للروح، لكنها اليوم تحوّلت أحيانًا إلى سارق خفي لوعينا. ففي عصر تكنولوجي زاخر بالفرص، حيث نمتلك القدرة على الوصول إلى كم هائل من المعرفة بضغطة زر، نصبح بدلاً من ذلك مستهلكين لمحتوى سطحي مشتت، يدور بعقولنا في دوامة من الضحك والترف بلا هدف واضح.

أضحى التهريج اليوم ملاذ العاجزين وضياع الطموحين، يشغل منصات التواصل الاجتماعي ويجذب أعدادًا هائلة من المتابعين، دون أن نعلم حقًا من يغذي هذه الظاهرة أو من يمول ويشجع ما يمكن تسميته بـ"التسول الإلكتروني" الذي اجتاح مجتمعاتنا العربية خصوصًا، محولًا الكثير من المواهب إلى متفرجين، والكثير من الطاقات إلى استهلاك فارغ.

لماذا ننجذب إلى هذا المحتوى؟ الإجابة بسيطة: نعيش في عالم سريع الخطى، يثقلنا الضغوط النفسية والاجتماعية، ونبحث عن مهرب سريع. التهريج والمقاطع الساخرة تقدم هذا المهرب، لكنها تبعدنا عن واقعنا، وتجعلنا نغرق في السطحية. كأننا نغرق في بحيرة عميقة، وبدل السباحة نحو الشاطئ نكتفي بالطفو بلا هدف.

وتأتي خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتعزز هذا الواقع، تدفعنا لمتابعة المزيد من المحتوى الذي يثير المشاعر، مهما كان بسيطًا أو فارغًا، حتى نصبح أسرى لشاشاتنا الصغيرة، منفصلين عن مصادر المعرفة الحقيقية. فلا تستغرب أن جهازك يسمع ويشاهد كل شيء من حولك، ينصت، ويوجهك إلى مقاطع ودعايا تجارية ترتبط بما تفكر به. لقد فقدنا خصوصيتنا وانتُزعت أسرارنا، حيث تتفاجأ حين يعرض لك محتوى كنت تتحدث عنه مع من حولك.

ولا يكمن الخطر فقط في الوقت الضائع وانتهاك الخصوصيات، بل فيما يحدث لعقولنا: نفقد مهارات التفكير النقدي، نبتعد عن القراءة والتعمق، نحيد عن طموحنا، ونصبح أكثر عرضة للتأثر بالأفكار السطحية. مجتمعنا يزداد هشاشة، أقل قدرة على المواجهة، مستلمًا وأكثر اعتمادًا على الترفيه الفارغ، في حين يفقد مجتمعاتنا أخلاقها وتتأثر ثقافتها بانحرافات قد تثمر نتائج سلبية على المدى البعيد.

ولكن، هل يعني هذا أننا ضد الضحك أو التسلية؟ بالتأكيد لا. فالضحك دواء للروح، والمرح جزء لا يتجزأ من الحياة. ولكننا بحاجة إلى تسلية ذكية تبني وتثقف، تضيف إلى وعينا، تفتح لنا أبواب المعرفة، وتلهمنا نحو التغيير.

الإنترنت في المقابل، بحر واسع من المعرفة والفوائد الجمة التي لا تحصى، يساعدنا على التعليم وتنمية المهارات، وأصبح مصدر رزق لكثيرين، خصوصًا في البلدان التي تعاني من شح فرص العمل وصعوبة السفر للبحث عنها. لقد قرب الإنترنت المسافات وسخر لنا فرصًا واسعة.

في النهاية، القرار يعود إلينا: هل نجعل من استخدام الإنترنت للتسلية مهربًا مؤقتًا فحسب، أم نستخدمه كأداة للنمو والتعلم؟ حين نختار المحتوى بحكمة، نستعيد جزءًا من وعينا المسروق، ونفتح لأنفسنا آفاقًا جديدة نحو مستقبل أفضل.

وفي المقابل، نتطلع إلى قوانين وتشريعات وضوابط تحمي الجميع من هذا الهرج والمرج الذي يستهدف عقولنا ومشاعرنا، حيث تتحكم ببوصلة الفوائد والإيجابيات، لنرسم طريقًا واعيًا نحو استخدام مسؤول للفضاء الرقمي. ولا نذهب بعيدًا، فهناك دول قد لجأت إلى حجب بعض المواقع الإلكترونية وتطبيقات التسلية في سبيل حماية مجتمعاتها.