كنت أجد نفسي دائمًا أتساءل وأتأمل كيف استطاعت القيادات الجنوبية قبل الوحدة أن تثبت الدولة وتديرها رغم كل التحديات. ففي الجنوب، رغم الحروب والانقلابات والظروف الصعبة، كانت الدولة حاضرة، تُشعر الناس بوجودها، تُدير شؤونهم، وتفرض احترامها وهيبتها. حتى وإن جرت خلافات، سرعان ما كانت الدولة تعود وكأن شيئًا لم يحدث أبداً.
لكن الواقع اليوم مختلف تمامًا. بعد الوحدة الفاشلة، لم نواجه فقط انهيار الدولة، بل أصبح الناس يعتادون غيابها. هذا الاعتياد على الفراغ المؤسسي وتلاشي الدولة ككيان حقيقي، يجعلنا نعيد التفكير في مفهوم الدولة نفسه، وفي إمكانية استعادتها.
الغريب والمخيف أن ما كان في الماضي مجرد تقلبات سريعة أو انقلابات، تحوّل اليوم إلى أزمات معقدة ومتداخلة، ليس فقط سياسية، بل اقتصادية واجتماعية. حتى الدول التي شهدت ما يُعرف بالربيع العربي والتي عاشت تقلبات مشابهة، لا تزال تعاني من صعوبة استعادة الدولة، لأن الفوضى لم تسقط الأنظمة فقط، بل ألغت مفهوم الدولة في وعي الناس. أمام هذه الحالة، لا تفسير واضح أبداً، وربما يكون فشل الديكتاتوريات السابقة وطول فترة حكمها هو السبب.
في الجنوب، لم تعد الدولة الحاضنة التي يحتمي بها المواطن، بل أصبحت غائبة، أو مجرد شعار يتردد في المناسبات. والناس باتوا يعيشون في ظل الفوضى، يلجؤون إلى الوسيط والنافذ والسوق السوداء، لأن المؤسسات الرسمية فقدت معناها.
وسط هذا الواقع، يأتي السؤال الكبير: كيف يمكن للمجلس الانتقالي أو أي كيان جنوبي أن يبني دولة، بينما الناس فقدوا الثقة بوجود الدولة أساسًا؟
المجلس الانتقالي اليوم أمام تحدٍ تاريخي. عليه أن يعيد بناء العلاقة بين الناس والدولة، ليس بالكلام أو الشعارات، بل بالممارسات الحقيقية. وهناك خمس خطوات لا بد أن يركز عليها:
أولًا، يجب أن يركّز على الخدمات العامة، فالأمن، والصحة، والتعليم، والماء، والكهرباء هي الأساس الذي تُبنى عليه السيادة. المواطن لن يؤمن بالدولة إن لم يشعر بها في حياته اليومية.
ثانيًا، لا بد من الشفافية والمساءلة. الناس تعبوا من السلطات التي تُدار من وراء الستار. يجب أن يكون المسؤولون مسؤولين أمام الشعب، وأن تُفسّر القرارات ويُحاسب المال العام.
ثالثًا، بناء مؤسسات لا أشخاص. النجاح الحقيقي لا يأتي من زعيم يحكم، بل من نظام قادر على الاستمرار رغم تغيّر الأشخاص.
رابعًا، احتواء التنوع الجنوبي فلا يمكن بناء دولة تُهمّش أحدًا، بل لابد من الشراكة والضمانات.
وأخيرًا، التحرر من عقلية الرد على الشمال. المشروع الجنوبي يجب أن يكون مبنيًا على نموذج مستقل، حديث، وفعّال، لا فقط رد فعل على ما يحدث في الشمال.
في النهاية، المشكلة ليست فقط أن الدولة سقطت، بل أن الناس أصبحوا يعتادون غيابها، ويتعايشون مع بدائل مشوهة عنها. وهذا الاعتياد لا يُكسر بالسلاح أو الشعارات، بل بمشروع حقيقي يُظهر أن الدولة ممكنة، نافعة، وعادلة.
المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم أمام خيار: إما إعادة اعتبار الدولة وبناء مؤسساتها، أو تثبيت واقع ما بعد الدولة حيث لا يجمع الناس سوى الخوف أو الحاجة.
لكن الواقع اليوم مختلف تمامًا. بعد الوحدة الفاشلة، لم نواجه فقط انهيار الدولة، بل أصبح الناس يعتادون غيابها. هذا الاعتياد على الفراغ المؤسسي وتلاشي الدولة ككيان حقيقي، يجعلنا نعيد التفكير في مفهوم الدولة نفسه، وفي إمكانية استعادتها.
الغريب والمخيف أن ما كان في الماضي مجرد تقلبات سريعة أو انقلابات، تحوّل اليوم إلى أزمات معقدة ومتداخلة، ليس فقط سياسية، بل اقتصادية واجتماعية. حتى الدول التي شهدت ما يُعرف بالربيع العربي والتي عاشت تقلبات مشابهة، لا تزال تعاني من صعوبة استعادة الدولة، لأن الفوضى لم تسقط الأنظمة فقط، بل ألغت مفهوم الدولة في وعي الناس. أمام هذه الحالة، لا تفسير واضح أبداً، وربما يكون فشل الديكتاتوريات السابقة وطول فترة حكمها هو السبب.
في الجنوب، لم تعد الدولة الحاضنة التي يحتمي بها المواطن، بل أصبحت غائبة، أو مجرد شعار يتردد في المناسبات. والناس باتوا يعيشون في ظل الفوضى، يلجؤون إلى الوسيط والنافذ والسوق السوداء، لأن المؤسسات الرسمية فقدت معناها.
وسط هذا الواقع، يأتي السؤال الكبير: كيف يمكن للمجلس الانتقالي أو أي كيان جنوبي أن يبني دولة، بينما الناس فقدوا الثقة بوجود الدولة أساسًا؟
المجلس الانتقالي اليوم أمام تحدٍ تاريخي. عليه أن يعيد بناء العلاقة بين الناس والدولة، ليس بالكلام أو الشعارات، بل بالممارسات الحقيقية. وهناك خمس خطوات لا بد أن يركز عليها:
أولًا، يجب أن يركّز على الخدمات العامة، فالأمن، والصحة، والتعليم، والماء، والكهرباء هي الأساس الذي تُبنى عليه السيادة. المواطن لن يؤمن بالدولة إن لم يشعر بها في حياته اليومية.
ثانيًا، لا بد من الشفافية والمساءلة. الناس تعبوا من السلطات التي تُدار من وراء الستار. يجب أن يكون المسؤولون مسؤولين أمام الشعب، وأن تُفسّر القرارات ويُحاسب المال العام.
ثالثًا، بناء مؤسسات لا أشخاص. النجاح الحقيقي لا يأتي من زعيم يحكم، بل من نظام قادر على الاستمرار رغم تغيّر الأشخاص.
رابعًا، احتواء التنوع الجنوبي فلا يمكن بناء دولة تُهمّش أحدًا، بل لابد من الشراكة والضمانات.
وأخيرًا، التحرر من عقلية الرد على الشمال. المشروع الجنوبي يجب أن يكون مبنيًا على نموذج مستقل، حديث، وفعّال، لا فقط رد فعل على ما يحدث في الشمال.
في النهاية، المشكلة ليست فقط أن الدولة سقطت، بل أن الناس أصبحوا يعتادون غيابها، ويتعايشون مع بدائل مشوهة عنها. وهذا الاعتياد لا يُكسر بالسلاح أو الشعارات، بل بمشروع حقيقي يُظهر أن الدولة ممكنة، نافعة، وعادلة.
المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم أمام خيار: إما إعادة اعتبار الدولة وبناء مؤسساتها، أو تثبيت واقع ما بعد الدولة حيث لا يجمع الناس سوى الخوف أو الحاجة.



















